العدالة والحقيقة.. حين تُروى بلغة الذكاء الاصطناعي!

بقلم: جمعة ارحيمة الفرطوسي..
في عالمٍ تتنازعه السرديات، ويتصارع فيه البشر على امتلاك “الحق”، بات من الصعب أن نجد تعريفًا نقيًا للعدالة، أو فهمًا مشتركًا للحقيقة.
كل طرف يرى أنه صاحب الرواية الأصلية، وكل جهة تتحدث وكأنها تملك الصيغة النهائية لما يجب أن يُقال ويُفهم.
في ظل هذا التشوّش، خطر لي أن أُحاور عقلًا لا يتحزّب، لا ينتمي، ولا يتأثر بمصلحة أو عقيدة.. عقلًا تقنيًا لا يشرب من نبع الأيديولوجيا، بل من معادلات الحوسبة والمنطق البارد الذكاء الاصطناعي.
في حوارٍ تأمليّ، لم يكن هدفي أن أستعرض تطور التكنولوجيا، بل أنْ أضع “الوعي البشري” تحت المجهر.. كيف يصنع الإنسان الحقيقة؟ وكيف يبرر الظلم باسم العدالة؟ وكيف ينحاز لما يؤمن به حتى وهو يدّعي الحياد؟.
ما لفت نظري هو ذلك التناقض الفادح الذي يعيشه الإنسان، يصنع القيم، ثم يُطوّعها. يرفع شعار العدالة، ثم يلوّنه بلون مصلحته، فلا الظلم عنده ظلمٌ خالص، ولا العدل عدلٌ مجرد، كل شيء يخضع لإرادته، لمكانه في الصراع، لعقيدته، لروايته، ولما يُريده أن يكون هو الصواب.
من هنا تتجلى المشكلة، الحق عند الإنسان وجهة نظر، لا حقيقة مطلقة.
وكلٌ يرى نفسه “على حق”، حتى وإن كان يقف فوق جثث الآخرين، أو يُحاور نفسه في مرآة مغلقة.
ومن بين كل المساحات التي تشهد هذا الصراع القيمي، يبقى الإعلام هو الميدان الأخطر.
فقد تحوّل الإعلام، الذي وُلد ليكون مرآة الواقع، إلى “مُخرج” محترف للواقع.
لم يعد يُخبرنا بما يحدث، بل يُحدّد لنا كيف نفهم ما يحدث، هنا تحديدًا، يبدأ التوجيه لا النقل.. والتعبئة لا التنوير.
حيث يُصبح المتلقي هو الهدف، لا لنقل الحقيقة إليه، بل لتشكيل وعيه بما يخدم رواية من يتحكم بالإعلام: سلطة، مؤسسة، مالك، أو أيديولوجيا.
ولأن الإعلام لم يعد حُرًّا كما يُفترض، ولم يعد مستقلًا كما يُنادي، بات مجرد أداة في يد مصالح متقاطعة -أو متضادة- توظّف الرسالة الإعلامية لتحقيق أهدافها الخاصة.
في هذا المشهد، يتلاشى دور “المتلقي الحر”، ويولد “المتلقي المُوجّه”، الذي يُمنح وهم الخيار، لكنه في الحقيقة يُقاد في نفقٍ مُعدّ سلفًا.
الاستقلال الإعلامي إذًا؟ ربما كان حلمًا نبيلاً في زمنٍ ما.. لكنه الآن يبدو أقرب إلى “خرافةٍ أخلاقية”، يصعب التحقق منها في واقعٍ تحكمه أدوات السيطرة الناعمة.
الإعلام بات يخضع لنفس منطق السوق والسياسة: من يموّل، يُملي. ومن يملك المنبر، يصوغ الرواية.
وحين عدتُ إلى الذكاء الاصطناعي، وطرحت عليه هذا الواقع، لم يُنكر أن كل ما يعرفه، هو نتاج الإنسان.. فحتى “البرمجة” و”البيانات” و”اللغة” التي يتحدث بها، هي صدى لما أنتجه الإنسان، بكل تناقضاته.
وإن أردنا أن نسأله عن “الحق”، فإن جوابه سيظل حبيس الإطار الذي زوّده به الإنسان نفسه.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة، حتى حين نبحث عن الحقيقة في عقلٍ غير بشري.. نكتشف أننا نحن من شكّل هذا العقل، وعلّمه كيف يفكر.
فالخلاص لا يأتي من الآلة، ولا من شاشة، بل من مراجعة جذرية لإنسانيتنا نفسها: كيف نرى؟ كيف نعتقد؟ وكيف نصوغ العدل من دون أن ننزلق إلى ظلمٍ مغلّف بشعارات الفضيلة؟.



