اراء

هل استغل الأوروبيون أمريكا أم العكس؟

بقلم: ليلى نقولا..

في تصريحات مثيرة للجدل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن أوروبا عاملت الأمريكيين معاملة سيئة، وخلال لقاء في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قال ترامب: ان “الاتحاد الأوروبي سيئ للغاية معنا، إنهم لا يأخذون سياراتنا، ولا يأخذون منتجاتنا الزراعية، ومع ذلك، يرسلون ملايين السيارات سنوياً لنا، مرسيدس وBMW، ونحن لا يمكننا بيع سيارة أمريكية واحدة إلى أوروبا، لن يكون الأمر كذلك بعد الآن، لن ندع ذلك يستمر”.

وحين سأله المراسل عمّا إذا كان عرض الاتحاد الأوروبي إعفاءً كاملاً من التعريفات الكمركية على السيارات والسلع الصناعية، كافياً، أجاب ترامب: “لا، لا يكفي، تم إنشاء الاتحاد الأوروبي لخداع الولايات المتحدة واستغلالنا، ويجب أن يدفعوا عن الاستغلال الحاضر والماضي”.

المساعدات الأمريكية لأوروبا تأريخياً

نبدأ مع خطة مارشال، والتي تُعرف رسمياً باسم “برنامج الإنعاش الأوروبي”، وقد طبّقتها الولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا الغربية لمساعدتها على النهوض بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تمّ ضخ مليارات الدولارات في البنى التحتية والتعافي الاقتصادي.

عسكرياً، أنشأت الولايات المتحدة وحلفاؤها حلف شمالي الأطلسي، لتأمين الحماية للأوروبيين، وكرادع ضد الاتحاد السوفياتي. وبالإضافة إلى دفع ما يقارب 75% من موازنة الحلف بمفردهم، نشر الأمريكيون جنودهم في أوروبا في قواعد عسكرية في مختلف أنحاء القارة الغربية، ولاحقاً في أوروبا الشرقية. ويقدّر عدد الجنود حالياً بمئة ألف عسكري أمريكي في أوروبا.

أما تجارياً، فأوروبا هي أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة؛ إذ يتبادل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار من السلع والخدمات سنوياً، وتعدّ الشركات الأمريكية من أكبر المستثمرين في أوروبا.

لكنّ ترامب يقول، إن الأمريكيين يخسرون تريليوناً و900 مليار دولار في تجارتهم مع الاتحاد الأوروبي، في وقت يقدمون لهم الدعم العسكري والحماية في حلف “الناتو”.

استفادة الأمريكيين من أوروبا

دفعت الولايات المتحدة الأموال الطائلة، وأسهمت في نهضة أوروبا، لكن ذلك يعدّ من الكُلف التي يفترض بالدول التي تطمح إلى الزعامة العالمية دفعها، لأجل تحقيق القبول بالقيادة العالمية.

أدّت خطة مارشال إلى إنعاش الاقتصاد الأوروبي، لكنها جعلت الأسواق الأوروبية مفتوحة للأمريكيين، وأسهمت في تعزيز مستوى الدخل الأوروبي لتحفيز الاستهلاك، هذا بالإضافة إلى حصولهم على عائدات ضخمة على استثمار خطة مارشال من خلال التجارة والاستثمار طويلي الأجل، ويمكن الإشارة هنا إلى ما قاله الرئيس الأمريكي هاري ترومان، حين أكد أن المساعدات الأمريكية في تحقيق ازدهار أوروبا ضرورية ليس فقط لشعوب أوروبا، بل أيضاً لصحة اقتصاد الولايات المتحدة.

وهكذا، وفي خضم الحرب الباردة، استطاع الأمريكيون من خلال تحالفهم مع الأوروبيين، بناء شبكة عالمية من القواعد العسكرية والتحالفات السياسية لمواجهة الاتحاد السوفياتي وردعه، بالإضافة إلى تعزيز تفوّقهم وهيمنتهم العالمية، وفرض الرأسمالية في الأسواق العالمية، وتحوّل الدولار إلى عملة احتياطية عالمية، بعدما حوّل نظام بريتون وودز (1944) الدولار الأمريكي إلى عمود فقري للتجارة الدولية.

وفي مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أسهم الأمريكيون في إنشاء الاتحاد الأوروبي، لتعزيز قوتهم ونفوذهم العالمي، وحصلوا على “الشرعية” للهيمنة الأحادية العالمية عبر الأطر العالمية المتعددة الأطراف التي لعبت لصالح تكريس نفوذهم العالمي، خصوصاً في ظل توسع “الناتو” واستخدامه كأداة عسكرية للهيمنة الأمريكية.

في النتيجة، لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في المساعدة على إعادة بناء أوروبا وتأمينها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ قدّمت للأوروبيين المساعدات الاقتصادية والحماية العسكرية، وأسهم الدعم الأمريكي لأوروبا في تحقيق ازدهار واستقرار ونمو اقتصادي مطرد. لكن، في المقابل، حقق الأمريكيون مكاسب استراتيجية واقتصادية وزعامة عالمية من وراء ذلك.

من الناحية الاستراتيجية، كان الاستثمار الذي قامت به الولايات المتحدة في أوروبا إحدى أنجح مبادرات السياسة الخارجية الأمريكية في القرن العشرين، ولاحقاً في القرن الحادي والعشرين أيضاً حيث سار الأوروبيون وراء الأمريكيين في مشاريعهم الخارجية، منها قضايا الشرق الأوسط، الحرب الأوكرانية، الثورات في القوقاز والبلقان، رفض التوسّع الصيني وغيرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى