اخر الأخباراوراق المراقب

أضواء على صلح الإمام الحسن (ع)

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني..

بعد سلسلة من الأحداث الأليمة التي مرت بها الأمة الإسلامية عقب الخداع الذي مارسه معسكر معاوية بن أبي سفيان في حرب صفين وانقسام الجيش الذي بمعية أمير المؤمنين عليعليه السلامإلى أقسام عدة، أبرزها الخوارج الذين فتحوا الباب مشرعاً لفتن وتداعيات خطيرة حاقت بالدولة الإسلامية، انتهت إلى مقتل الخليفة الشرعي الإمام عليعليه السلامفي مسجد الكوفة، فبدأت بذلك مرحلة مختلفة تماماً في حياة المسلمين، حيث بايع الناس الإمام الحسن (عليه السلام) بالخلافة، بيد ان الأخير ورث تركة ثقيلة جداً متمثلة بمجتمع غير متماسك ومنقسم إلى أحزاب وفئات.

أدرك الإمام الحسنعهذه الخريطة المشوهة لجيشه مبكراً وخاطبهم في المدائن قائلاً: ((وكنتم في مسيركم إلى صفّين، ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وأنتم بين قتيلين: قتيل بصفّين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون منّا بثأره، وأمّا الباقي فخاذل، وأمّا الباكي فثائر)).

ولعلم معاوية بنقاط ضعف جيش الإمام الحسن لم تتوقف دسائسه عند حد معين وساعد على ذلك وجود المنافقين وقلة الوعي، إذ أخذت الشائعات مأخذها من الجيش وبدت مراسلات معاوية تأخذ طريقها إلى قادة الجند والمؤثرين في جيش الحسن وأخذ يمنيهم بالأمرة والمال والزواج من بناته، فاجتهد الكثير منهم في محاولات لا أقلها الشروع بقتل الإمام الحسن نفسه، ليصل الأمر إلى استسلام ابن عم الإمام الحسن وقائد الجيش عبيد الله بن عباس للعدو ومعه عدد كبير من القادة والجنود، حيث بلغ عدد الفارّين والمستسلمين ثمانية آلاف من أصل جيش تعداده عشرون ألفاً، مقابل ستين ألفاً هو جيش الشام.

وبعد المسار المعقد للأحداث، تم الصلح بين الطرفين رعاية وحماية لوحدة صف المسلمين، وخوفاً من الإمام الحسن على أنصاره وشيعته من الهلاك واشترط في الصلح العديد من الشروط التي يمكننا ان نقرأها في سياق اللاعنف الذي يربينا عليه أهل البيتعليهم السلامومنهم كريم هذه الأسرة الطاهرة الحسنعليه السلاموفق الآتي:

أولاً: نظام الحكم ودستور الدولة

حيث اشترط الإمام، ان يؤول الأمر في البداية إلى معاوية، على ان يحكم بين الناس بكتاب الله العزيز وبسنة النبي الكريم وبسيرة الخلفاء الصالحين، ونقرأ في هذا البند حرص الإمام على عدم سفك الدماء والحفاظ على الدولة الإسلامية بدستورها الخالد القرآن الكريم، وبسنة النبي وسيرة من صحب النبي من الصالحين، ليكون ما تقدم معياراً لإسباغ الشرعية من عدمها على حكم معاوية وفق ما تقدم، ونشير إلى دقة انتقاء الإمام الحسنعليه السلاملمفردة التسليم والتي تقودنا في النهاية إلى السلم والسلام، وتعني ان انتقال السلطة من الحاكم الشرعي (الإمام الحسن) إلى الحاكم المقبل بشكل هادئ وبلا أي عنف أو سفك للدماء أو انتهاك للحرمات، بشرط ان يتم ذلك بالسير على وفق القيم ذاتها التي انتهجت في صدر الحكم الإسلامي وهي العمل بكتاب الله وسنة النبي امتثالاً لقوله تعالىإِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ“.

ثانياً: طريقة اختيار الحاكم الإسلامي بعد الصلح

إذ أشارت وثيقة الصلح إلى ان الأمر بعد هلاك معاوية يكون إلى الإمام الحسن أو الإمام الحسينعليهما السلاملضمان عودة الحق إلى أهله وهذا البند يشير إلى فراسة الإمام ومعرفته بالخصم وما ينوي ان يقوم به من تغيير في شكل وأسلوب اسناد السلطة بالدولة الإسلامية من الشورى واختيار الأنسب والأصلح إلى الوراثة وانتقال السلطة عقب معاوية، والسبب في تثبيت هذا البند ليؤسس الإمام الحسنعليه السلامقاعدة إسلامية أصيلة ألا وهي الالتزام بالمواثيق والعهود والذي ينكثها يكون قد خالف الله وسنة النبي، إذ يقول تعالى: “وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤولًا“.

ثالثاً: منهج الحكم الحق هو الاعتدال والإنصاف

حيث تضمن الصلح شرطاً بترك سب أمير المؤمنين الإمام عليععلى المنابر وذكره بسوء في قنوت صلوات ممثلي الدولة في الصلاة العامة، فهذه السياسة كانت قد تسببت بتضليل الرأي العام، وتكوين رأي مناهض لأهل البيت، ما مهد الطريق إلى نشوء مذاهب إسلامية معادية للخط الإسلامي الأصيل والنهج القرآني القويم، فكانت وبحق السبب في ضعف الأمة ووهن إرادتها، وكانت بداية الانهيار الحتمي للحكم الإسلامي فيما بعد، ففعل السب لوحده يتضمن بلا شك، عنفاً لفظياً موجهاً للنيل من مشاعر كل المسلمين وبخاصة من شيعة أهل البيت، بغية إلحاق الضرر النفسي بهم، والنيل من أحد أهم الرموز الإسلامية التي نذرت نفسها وكل ما تملك لخدمة الدين والإنسان، إذ قال تعالى: “وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وقال تعالى أيضاً: “وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا“.

رابعاً: العدالة الانتقالية

إذ حرص الإمام الحسنععلى تحقيق العدالة بين الناس ممن تحملوا أعباء الحروب السابقة تحت راية الإمام عليعليه السلام، حيث اشترط الحسنعليه السلامفي الصلح، ان يفرق مبلغ لا يقل عن ألف درهم في أولاد ويتامى قتلى المسلمين في تلك الحروب، فمن مقاصد العدل والمساواة، ان يتحمل كل فرد في المجتمع جزءاً من الأعباء العامة ومن أخص الأعباء دفع الأعداء ولما يتصدى مجموعة من الأفراد للعدو فيقتلوا أو يصابوا بعوق أو عاهة، فلابد من تعويضهم وأسرهم وهذا ما حرص الإمام الحسن على تضمينه في بنود الصلح، ليضمن حق هذه الأسر المسلمة، ولتجنيب المجتمع مخاطر ان يحوق بهؤلاء الظلم والفقر والفاقة، فيكونوا عرضة للتهميش أو يتعرضوا لمخاطر اجتماعية، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم حين يعد ان إحياء نفس واحدة يعدل عند الله إحياء الناس جميعاًمَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ، وفيما تقدم التفاتة كريمة للإمام، تنم عن حرص على المجتمع الإسلامي ومحاولة لبناء الثقة بين الحاكم والرعية وفق منهج الاعتدال.

خامساً: وظيفة الدولة الأساسية في تحقيق الأمن والعيش الكريم

ورد في نص وثيقة الصلح ((أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله، في شامهم، وعراقهم، وحجازهم، ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، ولا يأخذ أهل العراق بإحنّة، وعلى أمان أصحاب علي (ع) حيث كانوا، وأن لا ينال أحد من شيعة علي (ع) بمكروه، وأن أصحاب علي (ع) وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقب عليهم شيئاً ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حقّ حقه، وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا)).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى