هاجس معاناة الغربة في لوحات التشكيلي علاء السريح

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يُعد الفنان التشكيلي المغترب علاء السريح واحدا من الفنانين الذين يمتلكون تجربة امتلكت إمكانيات مغايرتها أدائيا وجماليا والممتدة طوال اكثر من اربعين عاما ومن خلال اكثر من معرض شخصي وعشرات المعارض الجماعية التي شارك فيها بالعديد من دول العالم ، تمكن من اثبات وجوده على خريطة التشكيلي العراقي المعاصر بتجربته الفنية التي جسدت رؤاه وقدراته المتميزة.
وقال السريح في تصريح خص به “المراقب العراقي”:إن” الغربة دائما ما تظهر في اللوحات التي أرسمها وذلك نتيجة معاناتها حتى في اللوحات ذات الأسلوب الواقعي أقدم من خلالها مشاهد واقعية مستوحاة من طبيعة العراق وبيئته الجميلة حيث تحتل الواقعية أية مساحة في أعمالي الفنية التي اُشارك من خلالها في المعارض الفنية داخل العراق وخارجه “.
وأضاف : إن” أحجام لوحاتي تختلف من لوحة اُخرى فأنا أحاول أن أقدّم مشهدًا ملونًا يثير الدهشة والإبهار عند المتلقي العراقي والأوربي، واستعمل تكنيكًا خاصًا في تنفيذ اللوحات بثيماتها المتنوعة والتي في مجملها ترصد جوانب متعددة من المدينة والموانئ ومحطات السفر الراسخة في الذاكرة والمراحل التي تمثل الطفولة والشباب التي قضيت ايامها في العراق فلذلك اقول ان الغربة لها أثر كبير في تكويني النفسي الذي يظهر في لوحاتي” .
وتابع :إن” الأعمال الفنية الواقعية التي رسمتها ولاسيما التي كانت في بداية تجربتي الفنية كان فيها تأثر كبير بتجارب من سبقوني سواء أكانت هذه التجارب عراقية أو عربية أو عالمية وكنت أستفيد من تجارب أساتذتي مثل الفنان فائق حسن الذي تعلّمت منه تقنيات وأساليب التلوين، ورسم الموديل، والخروج إلى الطبيعة حيث كان يشرف على الأعمال التي نرسمها في الهواء الطلق ويعطينا بعض الملحوظات الفنية التي تطوّر العمل الفني وتعمّقه، خصوصًا حينما يتدخل في اللوحة ويضع عليها بعض اللمسات التي تغيّر من تكوينها أو تمنحها أبعادًا جديدة ناضجة لم أنتبه إليها سابقًا، ولا أخفيك سرًا إنْ قلت إنني كنت سعيدًا وفخورًا بهذه اللمسات الخفيفة التي يضعها أستاذ بحجم فائق حسن”.
من جهته قال الناقد رحيم يوسف :”لا يعرف أسرار الماء سوى من جاوره وتبادل معه الأسرار ليبقى أسيرا لروحيته ، لا باعتباره حاجة أساسية من حاجات العيش والبقاء بل بمعنى استمراره في اجترار تلك الروحية واستعادتها في كل حين ، ولذلك فإن كل من جاور الماء سواء في المدن الساحلية أو على ضفاف الأنهار سيبقى يشكل له وجعا مستداما ليحاول التقرب منه أينما حل به الدهر طائعا أو مرغما لانه احتل ركنا ثابتا في ذاكرته الحية ، ولان الماء العنصر الاهم في حياة الناس والمدينة ، أي مدينة كانت في هذا الكون ، لا يلتقط سكانها ذلك الاحساس به ، سوى من تماهى معه بالاسرار “.
وأضاف : إن” الفنان التشكيلي البصري علاء السريح بقي يستعيد المدينة التي كان الماء يشكل عماد وجودها لا بمعنى الاستمرار الحياتي فقط بل على كل الاصعدة ، لان البصرة تدبغ بروحها كل من مر بها ، فكيف بمن عاش فيها طفولته والتشكلات الاولى لذاكرته التي يحيا ويستمر من خلالها ، ولذلك بقي وسيبقى يستعيدها في كل الموانيء والمدن التي مر بها أو سيمر بها مهما امتد به ، وسيستعيدها ويجسدها عبر الأثر لان الواقع مختلف كليا عما تختزنه الذاكرة “.
وتابع :”لم تكن المدينة يوما مجموعة المباني والمسالك والدروب التي عبرناها فعلقت بذاكرتنا أبدا ، مع ان ذلك يشكل جزءا منها بل هي روح تدب بنا وهي وجعنا الحقيقي المستدام بعد أن نقتلع منها لتبقى جذورنا فيها مهما امتد العمر وبعدت المسافات فالمدينة هي ما ارتبط بها حبلنا السري وان كان حبلا افتراضيا لا يرى “.
وأوضح :أن” المدينة لدى السريح هي الزمن المعاش الذي نعيد تشكيله وفقا لمجموعة ذكرياتنا من خلال حياتنا التي مرت ونحن نتبادل معها السُكنى فنسكنها وتسكننا ، فهنالك من يسكن المدينة فيعيد تمثلها ، وهنالك من تسكنه المدينة ليعيد تمثلها ، وما بين الاثنين ثمة مسافة يسكنها قلق الابداع ، وهو القلق الذي لا ينتهي حتى بعد اكتمال السطح التصويري وبثه ، لان ذات القلق في الحالتين سيبقى معلقا في فضاءات الروح المعلقة في فضاءات المدينة هي الاخرى ، والقلق هو شعور الفنان إزاء سؤال جوهري يبقى يدور في خاطرة وهو ، هل تمكن من إيصال روح المدينة إلى من يقف أمام السطح التصويري المبثوث ؟ وسؤاله هنا لا يتعلق بالمهارة أو الامكانيات الادائية التي يتمتع بها ، بل بلمحة مخفية لا يشعر فيها إلا ذات العاشق اثناء التلقي فتنفذ الى روحه كشعلة ضوء وهاجة “.



