اراء

الحرب على غزة.. بين عوامل تأجيجها وكوابح منعها

بقلم: محمد هلسة..

الحرب، كما نعرفها، هي ظاهرة عالمية يُحدد شكلها ونطاقها وأهدافها المجتمع الذي يخوضها. لكن الحرب في “إسرائيل” قصة مختلفة، تعاند دروس التأريخ وفلسفة الحروب وأهدافها. ويبدو أن طبيعة التركيبة النفسية الإسرائيلية تقتضي وجود صراع دائم يتجاوز أهداف الحرب المتعارف عليها؛ فسعادة “إسرائيل” دائماً ما ترتبط بتعاسة الآخرين وشقائهم.

والإسرائيلي يجب أن يكون قادراً على المُعاداة، والنزوع العدواني الإسرائيلي ينتمي بالقدر نفسه إلى القوة، إذ نرى بوضوح، من خلال تصريحات قادة “إسرائيل”، انتشاءهم بالقوة والغطرسة، فهم يقدّمون الحرب كنوع من الانتصار وشكلٍ من أشكال القوة التي يجب أن تتمتع بها “إسرائيل” التي تعيش دائماً بين خيارين “الحرب أو الحرب”، وكأنما حياة مواطنيها مُتعلقة “بسيوفهم ورماحهم” وحسب!.

مُذ أوشكت المرحلة الأولى من صفقة الأسرى على الانتهاء، تبارى تقريباً كل مسؤولي اليمين الصهيوني الحاكم في “إسرائيل” في التلويح بالحرب والتهديد بالعودة إليها “وفتح باب الجحيم على القطاع” في حال لم تُفرج حماس عمن تبقى من الأسرى الإسرائيليين لديها، وكأن “إسرائيل”، وهي تلوّح بالحرب وتقرع طبولها، جبلٌ بُركاني هائج ينفث حممه النارية يُمنة ويُسرة، ويوشك أن ينفجر.

فهل ينهار اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع وتعود “إسرائيل” إلى حربها العدوانية على غزة، أم أن حسابات الحقل ليست كحسابات البيدر، فلدى “إسرائيل”، كما كل الأطراف، ما تخسره في العودة إلى الحرب!.

في ظاهر الأمر تبدو إمكانية تجدد الحرب على غزة في ظل سلوك “إسرائيل” تجاه غزة وتصريحات مسؤولي الولايات المتحدة أمراً وارداً، فالدعم الشامل الذي يقدمه الرئيس الأميركي ترامب لـ”إسرائيل”، وفكرة التهجير القسري لسكان غزة، والتهديد الذي وجّهته الولايات المتحدة لحماس، أدى إلى زيادة أطماع أعضاء حكومة نتنياهو وحماسهم لتجديد الحرب على غزة.

تزعم “إسرائيل” أنها أجّلت قرارها بالعودة إلى القتال حتى نهاية الأسبوع على خلفية وصول رئيس الأركان الجديد إيال زامير، وبانتظار وصول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى المنطقة، إذ تقول إنها وضعت “البندقية” جانباً من أجل تحقيق تقدم سريع في المفاوضات يقود إلى الإفراج عن مزيد من الأسرى الإسرائيليين.

أما الرافعة الثانية فهي سكان القطاع الذين يطالبون بتخفيف مآسيهم التي خلقتها ظروف الحرب، خصوصاً مع إعلان “إسرائيل” بداية الأسبوع الحالي عن وقف المساعدات الإنسانية الموجّهة إلى القطاع، بالتنسيق مع إدارة ترامب، بسبب ما سمّته رفض حماس مخطط ويتكوف، من أجل زيادة الضغط على حماس.

أما الرافعة الثالثة والأهم، فهي الدعم الذي تتلقاه من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وثقة قادتها بأنه لا يمانع التلويح بالعودة إلى الحرب وربما لن يقف في طريق نتنياهو في حال ذهب إلى هذا الخيار، ففي الوقت الحالي لا توجد أي دلائل تشير إلى أن ترامب مهتم أن يفرض على “إسرائيل” رؤيته القائلة بوقف الحرب.

في الوقت الراهن، يسود اعتقاد في “إسرائيل” مُفاده “أن حماس تعتمد بشكل أساسي على ورقة الأسرى الذين في حوزتها، وتفترض أن “إسرائيل” ستمتنع قدر الإمكان عن تجديد الحرب على القطاع حتى لا تتسبب في قتل الأسرى”. لكن سلوك نتنياهو قبل الدخول في مسار الصفقة الحالي والتصريحات التي أدلى بها هو ووزير حربه كاتس، ووزير ماليته سموترتش خلال الأيام الماضية، قد يقود حماس، وفق التعويل الإسرائيلي، إلى الاستنتاج بأنها “إن لم تقبل مطالب إسرائيل، فقد يُضحّي نتنياهو ببعض الأسرى الأحياء”، وقد أظهرت مناشدات عائلات الأسرى الإسرائيليين وصرخاتهم، نهاية الأسبوع الماضي، لحماس أن هذا احتمالٌ واقعي.

وتعوّل “إسرائيل” كذلك على عامل ضغط آخر تواجهه قيادة حماس في قطاع غزة وفي الخارج، وهو القمة العربية التي عُقدت في القاهرة، والتي من المفترض أنها اعتمدت خطة لـ”اليوم التالي” في قطاع غزة من دون حماس. هذه الخطة، وفق الظن الإسرائيلي، “تُقلق حماس أكثر من تجدد القتال من جانب إسرائيل، لأنها تهدد بقاءها في قطاع غزة كقوة مهيمنة، حتى ولو لم تكن في السلطة فعلياً“.

ومن أجل تعديل مشروع القرار العربي ومنع تجدد الحرب مع إسرائيل، قد تقبل حماس مخطط ويتكوف مع بعض التعديلات”. ولكن، ليس من المؤكد على الإطلاق أن تقبل حماس بالخطوط العريضة لخطة ويتكوف، فإن أصرَّتْ، فلن يكون أمام “إسرائيل” سوى إرسال “جيشها” للمناورة بالقوة في القطاع، وهو ما بدأت ترسل إشارات على جديتها بخصوصه من خلال بعض عمليات القنص والقصف التي يمارسها “جيشها” بهذه الذريعة أو تلك.

وحتى لو أعطى ترامب الضوء الأخضر لاستمرار التطهير العرقي في غزة، فليس من المؤكد أن هذا سيكون كافياً لإقناع الجمهور الإسرائيلي بضرورة استمرار الحرب. في الواقع، يبدو أن الحرب في غزة أصبحت عبئاً على الحكومة و”الجيش” والمجتمع الإسرائيلي بشكل عام. ففي كل استطلاعات الرأي، تدعم أغلبية واضحة تتراوح بين 60% و70%، أو حتى أكثر، إنهاء الحرب.

ربما لا تصل تظاهرات “كابلان” إلى حجم التظاهرات التي خرجت مباشرة بعد قضية التعديلات القضائية، لكن التحدي التي تشكله للحكومة الإسرائيلية لم يتضاءل، بل ربما على العكس تماماً.

ويبدو أنه لم يحدث من قبل أن طالب هذا العدد الكبير من الإسرائيليين، بهذه الصراحة بإنهاء الحرب التي تخوضها “إسرائيل”. ويبدو أن الخوف من غضب عائلات الأسرى الذين ظلوا في غزة سيلعب دوراً مهماً في منع العودة إلى الحرب، والجمهور الإسرائيلي الذي “يعيش لحظات من البهجة بعودة الأسرى” لن يقبل بسهولة العودة إلى الحرب، ناهيك عن التكاليف الاقتصادية، والرغبة العامة في العودة إلى الحياة الطبيعية.

الخلاصة أن مُخطط ويتكوف يلبّي مطالب “إسرائيل” بالكامل، لأنه يسمح بالإفراج عن الأسرى الإسرائيليين على مرحلتين، لكنه يؤجل الحاجة إلى إعلان “إسرائيل” عن وقف إطلاق نارٍ دائم بضمانة أمريكية. بالنسبة إلى نتنياهو، فإن المخطط له ميزة إضافية سياسية، لأنه يؤجل المواجهة مع سموتريتش وبن غفير في الائتلاف ويسمح بالموافقة على ميزانية الحكومة، التي إن لم تتم الموافقة عليها هذا الشهر، فإن الحكومة، وفقاً للقانون، ستسقط وسيتم الإعلان عن انتخابات مبكرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى