اخر الأخباراوراق المراقب

الإِمَام الحُسَين”ع” خَليفَة اللهِ وَإِمَام الأُمَّةِ

الشيخ الحسين أحمد كريمو..

الإنسان هذا المخلوق المكرم من خالقه حيث إنه جعل له كرامة عنده، ويريد أن يقرِّبه زلفة لديه، ولكن ما هو سبب هذه الكرامة، وما يميِّز الإنسان عن غيره من مخلوقات الله تعالى؟ ولقد أجمع العلماء وأهل الفكر الحق أن الله كرامة الله تجلَّت في هذا الإنسان كفرد بأن وهبه العقل والإرادة وأعطاه الحرية ليختار العمل الصحيح الحق، ويترك العمل الخطأ الباطل، وكل إنسان أكمل الله له رشده بالعقل كلَّفه وشرَّفه من أجل أن يرفعه ويُدنيه من محلِّ قدسه، وهذا يكون له العقل رسولاً من الداخل.

وأما الكرامة للإنسان كنوع -أي الإنسانية- تجلَّت كرامة الله لهم بأن أرسل لهم رسُلاً منهم ليرشدوهم ويدلوهم على الصحيح ويأمروهم به، والخطأ وينهوهم عنه، وجعلهم من اللياقة ليخاطبهم الله فأنزل إليهم كتباً من عنده وهي عبارة عن خريطة طريق للإنسانية لكي تسير في طريقها الصحيح إلى الله وتدعَ طرق الشيطان وسُبله الكثيرة في هذه الحياة، وكان هذا النبي أو الرسول هو عقل من الخارج فتتكامل النِّعمة على الإنسان، ولذا قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) فالكرامة الكاملة للإنسان هي من الله الذي جعله خليفته في بناء واستعمار هذه الأرض، التي هيَّأها لحياة وسعادة وكرامة هذا المخلوق المميَّز جداً عن غيره من المخلوقات، وهذا الجعل الرَّباني -في الحقيقة- هو غاية الكرامة والفضل من الله عليه، لأنه جعله مكانه يتصرَّف في هذا الكون كما يشاء، ولكن مَنْ هو الخليفة الحقيقي لله في هذا الكون؟.

قال تعالى مخاطباً الملائكة ومبيناً طبيعة هذا الخليفة قبل أن يخلقه أصلاً: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، فما هي طبيعة هذا الخليفة؟ وما هي طبيعة هذه الخلافة؟ ولماذا اعترضت الملائكة قبل وجوده؟ ولماذا قدَّمت عبادتها الواجبة كفضيلة لها؟ وبالتالي لماذا ردَّها الله تعالى وأسكتها بالحجة؟

خلافة الله الحقيقية

عندما يتكلم الباري تعالى يُبيِّن محضَ الحق، وعندما يريد فإرادته ماضية وأمره بين الكاف والنون، ولكنه حكيم في كل شيء ومن حكمته أراد أن يجعل في هذه الأرض خليفة له ليعمِّرها بالطاعات والإصلاح، والحكمة الرَّبانية البالغة تقتضي أنه يختار الأفضل والأعدل والأصلح من البشر قاطبة، فلا يمكن أن يختار نبياً، أو رسولاً أو ولياً ويكون في الدنيا أفضل منه أو أعلم أو أعدل منه فهذا خلاف الحكمة، ولذا قال: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص: 68)، وليس للبشر أي رأي في هذا الاختيار الرَّباني لأن البشر ناقص في كل شيء، ولا يملك الناقص مع الكامل شيئاً.

والإمامة كالنبوة والرسالة شأن رباني محض لا خيرة ولا خيار للبشر فيه وإلا لو كان لهم من الأمر شيء فها نحن بعد أربعة عشر قرناً ونصف من الزمن وليس هناك نبي أو رسول بعد الرسول الأعظم محمد المصطفى (ص) فلماذا لا ننتخب نبياً رسولاً ليقود العالم في هذا المعترك الحضاري لا سيما أننا أصبحنا حوالي ثمانية مليارات من البشر وكان يرسل إلى القرى الصغيرة أنبياء ورسل كصالح، ويونس وحتى كان يرسلهم إلى أقوامهم فقط، فما أحوج الإنسانية اليوم لمصلح كبير ليصلح هذا الفساد الذي عمَّ الكرة الأرضية وطمَّها بمزيد من المصائب والكوارث الكونية لأنها يصدق عليها قول ربنا سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41)، فلا فساد في كل شيء كما هو اليوم فقد أفسد الطغاة البر والبحر والجو، والأديان، والأخلاق، والاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى الأعراف فسدت بما صنعت يد الإنسان الآثمة من كوارث إنسانية وعالمية وحتى كونية كمسألة الدِّفئية وثقب طبقة الأوزون.

فالعالم اليوم يحتاج إلى ذلك المصلح العظيم الذي يكون فكره وهمَّته بحجم العالم أجمع، والمسألة أعظم والحاجة ألح عند أتباع السيد المسيح عيسى بن مريم (ع) لأنه غاب عنهم قبل أكثر من عشرين قرناً، وأن الفساد عندهم أعظم بل إنهم منبع الفساد في الأرض، فهم تخلوا عن السيد المسيح وعن دينه وعن إيمانهم وحتى عن أخلاقهم في زحمة الحضارة الرقمية، فمَنْ يزورهم يجد أنه لا إله ولا دين ولا أي قيمة عندهم إلا الحياة مادة، وعادوا إلى الجاهلية وهم في قمَّة الحضارة الرقمية، (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)، فلماذا لا يختارون نبياً أو رسولاً لينقذ هذه الأرض التي فيها من أسلحة الدَّمار الشَّامل ما يدمِّرها أكثر من 150 مرة، عدا عن كل الأسلحة النارية التقليدية الأخرى؟.

لا يمكنهم ذلك ولو ضربوا رؤوسهم في السماء، وذلك لأن مبعوث السماء يأتي أمره من السماء، وهو المقصود بالخليفة في بداية الخلق، ولذا جاء بلفظ المفرد ولم يأتِ بلفظ الجمع حتى لا يشتبه على الناس الأمر فيقولون إن المقصود هو النوع الإنساني وليس الشخص المعيَّن، فنقول لهم: كلا بل المقصود هو الفرد والشخص المحدد والمعيَّن من قبل وهو النبي، أو الرسول، أو الإمام والولي الذي يختاره الله ليقود البشرية إلى الصلاح والإصلاح وليس النوع الإنساني لأنه خلاف الحكمة، وها هي الأعراف الدولية في كل الأنظمة ومختلف الحكومات والدول يقولون: إنه لا بدَّ من حاكم واحد على رأس الحكومة حتى ولو كانت ديمقراطية إلى العظم أو النخاع، بل وحتى في الأحزاب الشيوعية التي أثبتت الحياة فشلها والبشرية رمتها في مزابل التأريخ إلا عندنا ما زال البعض يتمسَّكون بها عناداً لا قناعة فكرية كانوا يضعون شخصاً ورئيساً على قيادتهم.

وهذا ما نعرفه من السيرة الإنسانية في هذا الكون فأول إنسان كان نبياً وهو آدم (ع) وكان له وصي وهو هابيل ولكن سيف البغي والشيطان وحب الظهور والدنيا جعلوه شهيداً بيد أخيه قابيل، وشهادته لم تلغ مكانته السامية عند الله وعند عباده، ولم تُثبت للقاتل أي فضيلة كان يتمتع بها المقتول، بل فضحته وجعلته لعنة للتأريخ والأجيال إلى الآن، وكذلك كل مَنْ أتي بعدهما فالخليفة الرباني المنصوص عليه من السماء، والمنصوب من الرسول الأكمل هو الخليفة الحقيقي مهما جرى عليه على أيدي أبناء قابيل القاتل المجرم، ولم يكسبهم أي صفة من صفاته الكمالية الربانية.

علينا أن نفقه هذه الحقيقة وننظر إلى تأريخنا الإسلامي العظيم بهذه العين ونقول الحق مهما كان مراً فآن الأوان أن نعرف الحق وأهله فنؤمن بهم ونتولاهم، ونعرف الباطل وأهله فنكفر بهم ونتبرأ منهم، لأنهم سبب كل ما أصابنا من وهن وتشتت وتفرقة في هذا العصر ونحن نعدُّ المليارين إلا أننا لا قوة ولا هيبة ولا سلطان لأننا تركنا سلطان الحق المنصوص والمنصوب من الله ورسوله واتبعنا السلطان الباغي الجائر الذي أخرج الناس والأمة من دين الله أفواجاً، بخضوعها له وبالتالي عبادتها لأولئك المجرمين الطغاة من حكامها وصدق رسول الله (ص) عندما قال لنا محذراً: (خذوا العطاءَ ما دام عطاءً فإذا صار رشوةً على الدِّينِ فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه يمنعُكم الفقرَ والحاجةَ، ألا إن رحى الإسلامِ دائرةٌ فدوروا مع الكتابِ حيثُ دار، ألا إن الكتابَ (القرآن) والسلطانَ سيفترقانِ فلا تفارقوا الكتابَ، ألا إنه سيكونُ عليكم أمراءُ يقضون لأنفسِهم ما لا يقضون لكم، فإن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم.. قالوا: يا رسولَ اللهِ كيفَ نصنعُ؟ قال: كما صنع أصحابُ عيسَى بنِ مريمَ نُشِروا بالمناشيرِ وحُمِلوا على الخشبِ موتٌ في طاعةِ اللهِ خيرٌ من حياةٍ في معصيةِ اللهِ).

وهذا ما جرى بكل دقة وأمانة في هذه الأمة فقد افترقت الأمة عن القرآن وأحكامه فهجرته وهو الشَّاكي عليها إلى الله تعالى على لسان رسولها الأكرم بقوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30)، حيث هجرته من حياة النبي الأكرم (ص) حين رفض رجال قريش من الصحابة أن يأخذوا بما أمرهم به رسول الله بحديث متواتر عندهم، وهو حديث الثقلين حيث قال لهم في حجة الوداع مراراً وتكراراً كما في حديث زيد بن أرقم الصحيح: (قَامَ رَسولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عليه وَآله) يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فإنَّما أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُما كِتَابُ اللهِ، فيه الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا به، فَحَثَّ علَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: وَأَهْلُ بَيْتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتي).

كما أن رسول الله (ص) وضعهم جميعاً في سرية وجيش أسامة بن زيد وأمرهم بالخروج من المدينة فكان يخرجهم في النهار بالقوة والشرطة فيهربون ويعودون في الليل ويتراكضون إلى السقيفة المشؤومة لينفِّذوا مؤامرتهم على الإسلام وقيادته الشرعية، كما جرى في التأريخ المعروف، الذي كُتب بأيدي وتحت إشراف رجال السلطة القرشية وبنسختها الأموية البغيضة وهي حكومة الأكباش المروانية التي تذوق الأمة منهم يوماً أحمرَ كما أخبر أمير المؤمنين الخليفة الشَّرعي والإمام الحق على هذه الأمة فقد جاء في الرواية: (أخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل فاستشفع بالحسن والحسين إلى أمير المؤمنين (عليهم السلام)، فكلماه فيه فخلَّى سبيله فقالا له: يُبَايِعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فقال (عليه السلام): (أَولَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ ـ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِه إِنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّه لَغَدَرَ بِسَبَّتِه أَمَا إِنَّ لَه إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَه ـ وهُوَ أَبُو الأَكْبُشِ الأَرْبَعَةِ، وسَتَلْقَى الأُمَّةُ مِنْه ومِنْ وَلَدِه يَوْماً أَحْمَرَ).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى