الشيعة وفلسفة الحياة


أريد للشيعة العزل والنبذ، أُريد لهم الطرد من حومة الاجتماع الإسلامي، وقد مورس بحقهم مختلف أساليب التغييب والتهميش، وقد وضعت إستراتيجية كبيرة لتحقيق هذه الأهداف العدوانية بحق المسلم الشيعي،وكانت لذلك مجموعة أسباب وعوامل، منها الانتماء العقائدي،لقد كان هذا الانتماء سببا جوهريا في تصميم هذه السياسة الخطيرة، ومراجعة بسيطة للتاريخ الذي يسمونه إسلامياً تكفي لذلك أقصد التاريخ السياسي بشكل غالب ولعل من المعروف أن كلمة شيعي كانت عنوان إدانة سياسية ودينية,ومن هذه الأسباب الموقف الشيعي من الاستعمار،فقد عرفوا بمقاومة الاستعمار القديم والحديث،يحدوهم في ذلك المعتقد الإسلامي،ولما ورثوه من تاريخ نضالي مصبوغ بالدم،وقد شاع في الأدب الإسلامي التاريخي، وفي الخطاب السياسي التحليلي أن الشيعة يشكلون الجماعة المعارضة للحكم، بل حتى المستشرقين بما فيهم الجدد يسمون الشيعة بـ (حزب) المعارضة .
الشيعة كانوا حقا معارضة ،ولكن أسيء فهم هذا المصطلح، لم يجر على سنته الموضوعية، حرَّفوه ، بما يكفي لخلق رأي شعبي من داخل المسلمين ضد الشيعة، زادوا عليه ما ليس منه ، ما ليس من حقيقته، ما ليس من مهماته ، وذلك بما يكفي ليجعل كل الحكومات حذرة خائفة متوجسة من هذه الطائفة..هل صدفة أن يشيع مصطلح رافضي، صفوي،سبئي،عبدة القبور..الخ على طول وعرض المجتمع الإسلامي ؟ هل صدفة أن تتكالب كل الحكومات والأنظمة على شيعة العراق لمجرّد أن لاحت زاوية انعطاف بسيط في مجال المعادلة الطائفية ؟ من الطبيعي أننا نتكلم هنا بلغة النسبة الغالبة وليس المطلق, فالشيعة يعارضون الحكومة الظالمة وليس الدولة من حيث هي دولة، هذه هي النقطة الجوهرية التي يجب تجليتها,لقد صوَّر الآخرون الشيعة طائفة فوضوية ، تريد أن تربك المجتمع المسلم، تخرب الدولة الإسلامية، تشيع الظلام والخراب والدمار، لقد نظروا لهم كطائفة عدمية، مخيفة، تهدف إلى نشر الكفر والزندقة.. وكان الشيعة في زمن الانحراف الخطير دعاة عودة إلى الإسلام (كنا نقاتلهم على تنزيله واليوم نقاتلهم على تأويله), وهذا الحسن (عليه السلام)،قد كان بطل الصلح ،ولم يكن الصلح عن ضعف أو مهادنة ،بل تغليب لمشروع السلام الاجتماعي ،حقن الدماء،حفظ تراث الإسلام,ولم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) صاحب مشروع حرب دموية، لم يكن صاحب مشروع سياسي مسلح، لم يكن صاحب نهج مسلح ،بل كان صاحب مشروع دولة مدنية اتخذت من الثورة بذرة لانطلاقها ، مشروع عمل سياسي مدني، مشروع جهاد مدني ، لم تكن لغة الدم في حسبانه ، لقد خلا الخطاب الحسيني من كل إشارة إلى الدم ، أو إلى السيف ، بل كان خطابه مدنيا، عمل مدني ، خطاب فكري يركز على واجبات الدولة.
وهذا الإمام السجاد (عليه السلام) يشهد له دعاؤه الذي يدعى بدعاء (أهل الثغور) ينبض بحيوية التعاضد المبدئي الكامل مع المقاتلين على الحدود ممن يدافعون عن حياض الإسلام ويصونون الحدود،على الرغم من خلافه مع بني أمية قتلة أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) لكن مصلحة الإسلام والمسلمين أبدى بالنسبة للأئمة (عليهم السلام) في حربهم مع الكفار لذا دعا الإمام السجاد (عليه السلام) دعاء الثغور للجنود الذين يرابطون دفاعاً عن بيضة الإسلام ممن يؤمنون بولايته وإمامته (عليه السلام)، وهنالك فقرة في الدعاء تدل على ذلك إذ يقول (عليه السلام): “اللهم اشغل المشركين بالمشركين”، وفي هذا دلالة واضحة على أنه كان لا يدعو للجميع, وهذا الإمام الباقر (عليه السلام) فقد كان سباقا لإنقاذ الدولة من الإفلاس الاقتصادي فيما هي قتلت آباءه وأجداده، وتحرض عليه المنافقين والمندسين ولكن انقاذه كان لمصلحة المسلمين لا لمصلحة الحكام, وهذا الإمام الصادق (عليه السلام) رفض القيام بثورة مسلحة فيما كانت الجموع تنتظره، وانصرف لبناء كتلة علمية فقهية عريضة في إطار الدولة،في ظل حكمها،في ظل إلتزاماتها العامة،لأن الناس لم تكن مهيأة للثورة ولم تمحص التمحيص الكافي الذي يجعل الإمام يقوم بثورة تعيد الحق لنصابه, وهذا الإمام الكاظم (عليه السلام) لم يعرف عنه منظر ثورة مسلحة، ولا دعا لعمل مسلح، برغم ما لقي من الدولة من عنت وسجن واضطهاد, والإمام الرضا (عليه السلام) قبل بولاية العهد وهو وإن كان رغماً عنه ، ولكن سير هذا الأمر لخدمة الإسلام والمسلمين ما دفع المأمون لاغتياله خوفا من تجمع الناس حوله، كذلك أمامنا الجواد (عليه السلام) قد أجاز لبعض شيعته النفوذَ في مراكز الحكومة وتسنُّمَ المناصب المهمّة، من أجل حماية إخوانهم ، فصرنا نجد أفراداً من أمثال “محمّد بن إسماعيل بن بُزَيع” و”أحمد بن حمزة القمّي” يحتلّون مناصب رفيعة في الدولة، وصرنا نجد أنّ “نوح بن درّاج” يصبح قاضيَ بغداد ثمّ قاضي الكوفة “كما رواه ابن ابي الحديد المعتزلي نقلاً عن كبير الطالبيين”.
لذا كان الأئمة (عليهم السلام) ليسوا من طلاب السلطة والحكم على غرار من طلبها وقاتل من أجلها أهلها ومن نصبهم الله تعالى خلفاء للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بداية بأمير المؤمنين (عليه السلام) الذي يقول عن نفسه في خطبته المشهورة الموسومة بالشقشقية:”..وهو يعلم أن محلي منها (الخلافة) محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إليَّ الطير فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً..” ومعنى سدلت دونها ثوبا أي أرخيت، يقصد (عليه السلام) ضربت بينى وبينها حجابا، فعل الزاهد فيها،الراغب عنها.وطويت عنها كشحا أي قطعتها وصرمتها،كشح بوجهه أي مال عمن أمامه الى الجهة الأخرى،وفي هذا جوهر البيان بأن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وبالرغم من حقه بالخلافة إلى أنه تركها وابتعد عنها حفاظاً على الإسلام وبيضته وهو لما يصبح ديناً قوياً منتشراً بين الأمم إذ إنه (عليه السلام) لا يرغب فيها حكما بل يرغب فيها استحقاقاً ومسؤولية لا يمكن لشخص آخر النهوض بها وإلا لما وصلنا الى ما نحن فيه اليوم بعد أن صرف الحق عن أهله الذين هم سفينة النجاة على حد تعبير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث السفينة المشهور،وعندما حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) عقب مقتل عثمان عبر عن حال أمير المؤمنين (عليه السلام) صعصعة بن صوحان (رضوان الله عليه) قائلاً لأمير المؤمنين (عليه السلام): “والله يا أمير المؤمنين،لقد زيَّنْتَ الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك،وَلَهِي إليك أحوج منك إليها”,وهذا يدلل دلالة واضحة للمخالفين على أن أهل البيت (عليهم السلام) لم يكونوا يبحثون عن الحكم لمجرد الحكم بل كانوا يريدون إصلاح الأئمة وهدايتها لطريق الحق والصواب طريق دين الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)،وهو ما يؤكده كلام الإمام الحسين (عليه السلام):”إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.
وهكذا كل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قادة الشيعة باني التشيع عبر مئات السنين، نعم كانوا أصحاب مشروع نقدي لممارسات الدولة وليس للدولة من حيث هي مؤسسة حضارية تمخضت عن مسار تاريخي معقد وصعب عبر قرون وقرون, لم يكن الشيعة يحملون فكراً فوضوياً ، وإلا فكيف يكتبون في فقههم عن مواصفات الحاكم، وشروط البيعة، ومتى تعقد، وعن طبيعة العلاقة مع الدولة الظالمة ؟.
فهل كان موقف ابن العلقمي الذي أنقذ فيه الدولة الإسلامية من شر المغول سوى تطبيق رائع لهذا الموقف؟، وهل موقف الإمام الخميني (قدس سره) عندما قام بالثورة الإسلامية وجعل القضية الفلسطينية محوراً أساسيا فيها وأعلن العداء لدول الإستكبار وعلى رأسها أمريكا واعترف بفلسطين دولة وفتح سفارة لها في الجمهورية الإسلامية ودعا الى (يوم القدس العالمي) في الجمعة الأخير من شهر رمضان ليصبح يوم تضامن إسلامي عالمي مع الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي”، وما زال قائد الثورة الإمام الخامنئي (دام ظله) سائراً على درب أستاذه الإمام الخميني (قدس سره) في الدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين ومن ضمنها القضية الفلسطينية ودعم حزب الله بوجه اسرائيل ومحاربة العدو الجديد القديم المتمثل بالمد التكفيري الوهابي الذي مثلته القاعدة سابقاً ومازالت لكنه الآن متبلور في داعش التكفيرية.
هؤلاء هم الشيعة في لبنان وسوريا والعراق دعاة سلام وبناء وتآخ مع مختلف الطوائف الأخرى لكنهم ليوث ثوار بوجه من يهدد الإسلام والمسلمين سواء من قوى الاستكبار أم التكفير ومن يراجع تاريخنا القريب أو البعيد يعرف ذلك فها نحن اليوم نقاتل إسرائيل في لبنان وسوريا متمثلين بحزب الله وها نحن اليوم في العراق متمثلين بكتائب حزب الله وسرايا الدفاع الشعبي من الذين لبوا نداء المرجعية بالجهاد الكفائي دفاعاً عن الإسلام والمسلمين، وها نحن في البحرين ندافع عن حقوقنا ضد طغاتها من آل خليفة، وها نحن في اليمن منتصرون بعد دخولنا صنعاء لذلك نحن سلم لمن سالم الإسلام والمسلمين وحرب لمن يحاربهما.



