الشرق أم الغرب.. أيهما الطريق؟

الشيخ صاحب الصادق..
أرأيت بعض الناس يتیه في الدرب وهو لا يدري الى أين يولي وجهه، هل إلى اليمين أم إلى اليسار؟ هل ينتمي لهذا الخط أو ذاك؟ هل يتبع توجيها قادماً من الشرق أو ثقافة مستوردة من الغرب؟
أرأيت مثل هذا الإنسان كيف يضيع في حياته؟ بينما هو يملك خريطة طريق واضحة تهديه السبيل وهو غافل عنها، لهؤلاء جاءت الخريطة واضحة في الآية المباركة التي تخاطبهم بالقول:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
البِرّ هو الصلاح والخير، فليس من صلاحك وخيرك أيها الانسان أن تتجه نحو الغرب والشرق باحثاً عن خريطة طريق لحياتك، إنما الخير والصلاح هو فيما يرسمه الله تعالى لك في عشر نقاط واضحة وبيّنة حيث يقول:
﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ﴾ أي طريق الخير والصلاح هو فيما يأتي:
1-﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ فالإيمان بالله هو حجر الأساس في برنامج الانسان في الحياة، وهو المنطق السليم لاختيار الطريق والسير بأمان، بحيث يعطيك خير الدنيا والآخرة.
2-﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الايمان بالقيامة هو الذي يجعلك تسير في حياتك على صراط مستقيم، لأنك تؤمن بأنَّ كل حركاتك وسكناتك، كل برامجك وعلاقاتك، هي تحت المجهر، وسوف تحاسَب عليها في يوم الحساب.
3-﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ ماذا يعني، ولماذا الايمان بالملائكة؟ ربما يعني معرفة أنّ الملائكة ليسوا آلهة أو أبناء الإله كما يزعم البعض، بل هم مخلوقون مطيعون لله ويقومون بإدارة شؤون الكون بإذن الله تعالى، فهذا الإيمان يعمق رؤية التوحيد في القلب.
4-﴿وَالْكِتابِ﴾ فالله تعالى لم يترك أفضل مخلوقاته – وهو الإنسان – على غير هدى، بل جعل له الكتاب نوراً فيه تفصيل كل شيء.
5-﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ فالأنبياء هم سفراء الله للإنسان، وحملة كتبه ورسالاته، وهم ايضا – كالملائكة – ليس أحدٌ منهم ابن الله، بل هم بشر مثلنا، يتميّزون عنا بأنَّ الله اصطفاهم واجتباهم ليكونوا الوسيلة بينه وبين البشر، والهداة الى الله.
بعد النقاط الخمس التي ترتبط بجانب الايمان والعقيدة، تنتقل الآية في بيان طريق البر والخير والصلاح الى البرامج العملية، فتقول:
6-﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ فرغم حبّه للمال فإنَّ المؤمن يُؤتيه ويعطيه للآخرين. ومما يلفت النظر هنا هو أن الإنفاق التطوعي يأتي في بداية قائمة الأعمال والعبادات.
أما مفردات المنفق عليهم، فالآية تهدينا لترتيب لابد من مراعاته:
ألف: ﴿ ذَوِي الْقُرْبَىٰ﴾ فالإنفاق قبل كل أحد يكون للأرحام والأقرباء الذين يأتون في المرتبة الأولى، بخلاف ما نرى عند البعض حيث ينفق على الأباعد ويترك الأقربين في الفقر والمسكنة والحاجة.
باء: ﴿وَالْيَتَامَىٰ﴾ الذين لا راعي لهم، وهم من الحلقات الضعيفة في المجتمع، وقد يتعرضون للاستغلال وإغماط حقوقهم، فهم قد يكونون أكثر الناس حاجة للمساعدة المالية، خاصة أنهم صغار لم يبلغوا مرحلة الاستقلال والوقوف على أقدامهم بعد.
جيم: ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ الذين أسكنتهم الحاجة والفاقة عن ممارسة الحياة الطبيعية.
دال: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الذي قد يكون غنيا في بلده ولكنه – وهو في السفر – أصبح ذا حاجة بسبب نفاذ ما معه من المال أو ضياعه أو ما شاكل.
هاء: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ الذين يستجدون الناس، فالقرآن يهدينا للعطاء حتى لو ظننا عدم حاجتهم، لأن السؤال يعني إراقة ماء الوجه، والمؤمن يحفظ هذا الماء بالعطاء، ولا داعي للفحص والتحقيق عن حاله.
واو: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي إنفاق المال في تحرير العبيد والرقيق، وبهذا التوجيه استطاع الدين أن يقضي على ظاهرة العبودية والرق التي كانت منتشرة في المجتمعات قبل ظهور الإسلام، والذي لا يزال موجوداً في بعض المجتمعات غير المؤمنة بالدين.
بعد الإنفاق التطوعي من المال رغم حبه تأتي العبادة:
7-﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ ورغم أن الصلاة عمود الدين وهي أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة كما في الاحاديث الشريفة، إلا أن الآية تذكرها بعد الإنفاق التطوعي.
8-﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ هذا هو الانفاق الواجب، فالزكاة – التي تشمل كل انواع الحقوق الشرعية – واجبة حسب شروطها وأحكامها الواردة في الشريعة، وهي العبادة الواجبة الثانية بعد الصلاة.
9-﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ العهد هو كل اتفاق بين طرفين، وتعهّدٍ من طرفٍ لطرفٍ آخر، فيشمل كل المعاملات والعقود والمواثيق، والوفاء بكل ذلك يُعد من أهم أسس الحياة الاجتماعية السليمة، فالمجتمع الذي لا يلتزم أبناؤه بعهودهم ومواثيقهم، هو مجتمع فاسد وسائر الى السقوط والهلاك.
10-﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ وآخر نقطة في خريطة الطريق الإلهية للبشر، هو (الصبر) بمعنى الاستقامة، والثبات، والمقاومة، والتحدي بإزاء المشاكل والصعوبات، فالبأساء تعني المشاكل والصعوبات، والضرّاء تعني: الضرر والخسارة من المرض ومشاكل الاقتصاد، أما البأساء فهو تعبير آخر عن الحرب.
فالإنسان يصبر ويقاوم بإزاء كل ذلك حتى يستمر في التقدم في حياته، وفي تجاوز العقبات للوصول الى مرضاة الله.



