في مدرسة أم البنين

محمد علي جواد تقي
تفوقت أم البنين في مدرستها النموذجية على سائر المدارس في أسرة أمير المؤمنين، عليه السلام، الذي تزوج بعد الصديقة الطاهرة بعدة زوجات أبرزهنّ أربع، أم البنين، وأمامة –حسب وصية الزهراء عند وفاتها- وأسماء بنت عميس، وليلى التميمية، وكُنّ معه الى يوم استشهاده، وقد أنجبن له أولادا وبناتٍ كُثرا.
في ذكرى وفاتها، سلام الله عليها، نعيد الكرة بالكتابة عن أم البنين؛ فاطمة بنت حزام الكلابية، ونشكو شحّ التأريخ وقلّة حظه من سيرة هذه السيدة المتكاملة والعالمة، فهو يسطر المشاهد والمواقف لنساء القصور ومن كُنّ في مدرسة الميوعة والتحلل من القيم والأخلاق، وينقل لنا أقوالهنّ، وأفعالهن، بينما يتحاشى ذكر سيرة أم البنين، وسائر النساء الرساليات اللاتي نذرن حياتهنّ لتربية الأجيال عبر التأريخ على طريقة العيش الكريم والوصول الى قمم السعادة الحقيقية، فهو لم يذكر شيئاً حتى عن وجودها في الكوفة الى جانب أمير المؤمنين، من عدمه، وهي ثغرة فظيعة في هذا التأريخ الذي يُقال أنه تأريخ الملوك والسلاطين، على الأقل كان يجدر بذكر هذه الفقرة مواكبةً لعهد أمير المؤمنين في حكم الدولة الإسلامية، مما يؤكد علاقة السبب بدوافع أخرى لا تخفى على القارئ اللبيب.
الاختيار الدقيق
لم تكن تظهر شخصية أم البنين لولا الاختيار الدقيق والصحيح لأمير المؤمنين، وقبله طبعاً؛ أخيه عقيل، وهنا فقرة لابد من الإشارة اليها دائماً في البحث عن قصة زواج الإمام من أم البنين عندما أوكل الى أخيه أمر اختيار الزوجة التي “أولدتها الفحولة من العرب”، واختلف الباحثون في سبب قرار الإمام هذا، وهو يختزن علم الأولين والآخِرين، ويعلم الخفايا والمنايا بما علّمه رسول الله، صلى الله عليه وآله، والرأي الأقوى الذي أميل اليه؛ إعطاء التخصص مكانته و دوره في الحياة الاجتماعية، كون عقيل كان يُعرف آنذاك بالنسّابة، والعارف بأحوال وأصول الأسر العربية، فأجاب أخاه أمير المؤمنين: “أين أنت من فاطمة الكلابية”؟! وأكد له “أن آباءها من أشجع العرب وأشدهم قتالاً”.
هذا ما نقله لنا التأريخ عما يتعلق بالسيدة أم البنين، ولكن لم يتحدث عن أوضاع أسرتها وتفاصيل حياتهم، لاسيما الجانب الأخلاقي تحديداً، وماذا كانت شِيَمهم وسلوكهم؟
بما لاشك فيه أن المرأة العاقلة والمدبرة والمحترمة لن تظهر في بيت الزوجية، إلا بعد أن تكون قد حملت هذه الصفات الحسنة والنبيلة وامثالها وهي فتاة في بيت أبيها وأهلها، ومن المستبعد جداً أن امير المؤمنين اقتصر في صفات الزوجة القادمة أن تكون من أهل بيت حرب وقتال، وإلا فإن المجتمع آنذاك كان مشحوناً بالأسر التي تنجب الابطال والشجعان ومحترفي الضرب بالسيوف والرماح، فهذه كانت من السمات الأساسية لأي أسرة عربية، وربما يكون رب الأسرة الجبان والمتخاذل من الشريحة المنبوذة في المجتمع آنذاك، إنما أراد امير المؤمنين الشجاعة المعنوية قبل المادية، وهي شجاعة الروح ومتانة النفس بالإيمان بالله –تعالى- وليس بالمال والسلاح والوجاهة الاجتماعية، وهذا ما توفر في أسرة أم البنين، التي تربت وترعرعت فيها فاطمة الكلابية، وهي فتاة صغيرة كانت تعيش في المدينة بين مئات الفتيات الصغار.
وهذا ما نتعلمه من هذه المدرسة العظيمة بأن نولي الاهتمام البالغ لمسألة التنشئة والتربية للفتاة والزوجة المستقبلية قبل التفكير بالأمومة والتحقق من قدرة الزوجة (العروس) على الإنجاب وإلقاء السكينة والاطمئنان على قلوب النسوة المحيطات بها، وقبل الاقتناع بما تدعيه الفتاة من قدرتها الذهنية على إدارة الحياة الزوجية بناءً على مطالعة بعض الكتب وتبني أفكار ونظريات ربما لا تتطابق مع الواقع الذي تعيشه هذه الفتاة في حياتها العملية.
الإمام قبل الأخ
دخلت فاطمة الكلابية (أم البنين) دار أمير المؤمنين وفيها الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، وهم صغار السن، لتعطي درساً بليغاً واستثنائياً عن دور زوجة الأب للأجيال الى يوم القيامة، مما يذكرنا دائماً بعامل التربية في صياغة شخصية الفتاة والزوجة القادمة.
إضافة الى مسألة تغيير الإسم، وإخفاء اسمها الحقيقي كاملة من الدار لتحاشي التماثل مع اسم فاطمة الزهراء، ابنة رسول الله، وهي كانت سيدة البيت الأولى، وأم الأقمار الأربعة، ركزت السيدة أم البنين على فقرة ذات أهمية تربوية بالغة جسّدت نظرتها العميقة والمستقبلية، فعندما أنجبت أول أبنائها؛ العباس، واشتدّ عوده وانطلق لسانه، أوصته بعدم مناداة الحسنين بنداء الأخوّة، وهو ما يدرج عليه الأولاد فيما بينهم في البيت الواحد، فالصبي الصغير عندما يرى الأكبر منه الى جانبه لابد أن يعده أخاً له، وإن جهل طبيعة العلاقة بين أمه وأم ذلك الصبي، فأرادت هذه الأم المثالية تربية ابنها العباس وسائر الأبناء من بعده، أن يخاطبوا الحسن والحسين، عليهما السلام، بخطاب السيادة وليس الأخوة، لذا لم يتفوّه العباس طوال حياته الى جانبه الامام الحسين بلفظة: يا أخي! وإنما؛ يا سيدي، فعزّ على الإمام غياب هذا الخطاب من أخٍ مُليء أخلاقاً وفضيلة طوال فترة حياته، من مرحلة الصبى والشباب وحتى الرجولة التضحوية، ويذكر أصحاب المقاتل أن هذه اللفظة سمعها الإمام الحسين من أخيه أبي الفضل العباس لأول مرة في اللحظات الأخيرة من حياته وهو في حجره يوم عاشوراء حينما ناداه: يا أخي أدرك أخاك! فلنا تحليل طبيعة المشاعر المتضاربة والملتهبة للإمام الحسين في تلك اللحظة الحرجة، فهو بين شعور الفرح بهذا النداء، وبين مشاعر الحزن والألم على فقد صاحب هذا النداء.
التربية على المعرفة من أهم ركائز بناء الشخصية المستقيمة للأبناء، وهو ما يوصي به الإسلام في القرآن الكريم وعلى لسان المعصومين، سلام الله عليهم، بأن من المهم جداً أن يكون الأولاد عارفين بعقيدتهم وثقافتهم حتى يعرفوا من يوالون وكلام من يسمعون، وما يجب تقبله، وما يجب رفضه؟ حتى لا يتعرضوا للمطبّات الثقافية والاجتماعية، والفشل والخسران في حياتهم.



