اخر الأخبار

الفساد في العراق قاعدة لا استثناء

تعودنا على سماع فضائح الفساد, في الوسط السياسي العراقي, ولم تعد تمثل لنا مفاجأة أو فرصة لتحقيق العدالة, فيمن يتعدى على المال العام ومحاسبته، فحجم الفساد كبير جدا، ومساحته واسعة لا حصر لها، تكاد لا تستثني من السياسيين أحدا, إلا ما رحم ربي, ويكفي حساب ما حصل عليه العراق من أموال, طيلة السنوات العشر الماضية، وما تم توظيفه منها لبناء الدولة, وتقديم الخدمات للمواطن, والارتقاء بالبنى التحتية، للوقوف على حجم الجريمة, التي ارتكبت بحق هذا البلد، وحجم ما نهب من أمواله، ومقدار ما حرم منه الشعب من فرص للتقدم والرقي، فتردي الخدمات وتخلف مؤسسات الدولة واضح وجلي، وعدم وجود صناعة محلية أو زراعة, وانهيار شركات القطاع العام وتفكيكها، ظاهر في مناحي الحياة المختلفة، حتى تحول العراق الى بلد مستهلك, يستورد أبسط مستلزمات الحياة.
ولكون ظاهرة الفساد مستشرية وعامة, تبدأ بأصغر حلقات الادارة الى أكبرها، صارت الدعوة الى الاصلاح أكثر من ملحة, وتعالت الأصوات لمواجهة هذا الخطر, الذي بات يهدد كيان الدولة والمجتمع, بدرجة تفوق ما يشكله التهديد الإرهابي، بل على العكس, فالتهديدات الإرهابية خلقت حالة من الوحدة الوطنية, وصنعت قوة عسكرية, لم تستطع الحكومات المتعاقبة ايجادها، ولعلنا لا نجافي الحقيقة ان قلنا, ان الفساد هو السبب الرئيس فيما وصلنا اليه, من انهيار أمني كاد يطيح بكياننا السياسي, ويمزق نسيجنا الاجتماعي. ولا نقصد من دعوات الإصلاح, ما تبنته بعض الشخصيات الحكومية والحزبية أو المرتبطة بها، فهذه تنطلق من نفس محيط الفساد, ولا يمكن ان تنتج معالجات حقيقية صادقة, لان فاقد الشيء لا يعطيه، انما نحن بحاجة الى تحرك جدي لاقتلاع هذه الافة من جذورها، واعادة بناء الدولة على أسس سليمة, تمكنها من توظيف مواردها المالية, في خدمة الشعب وتطلعاته, وتعتمد ضوابط صارمة تمنع المفسدين من اختلاس المال العام.
فقد ذكرت إحصاءات سابقة, بان حجم ما دخل العراق من أموال, خلال السنوات العشر الأخيرة, يصل الى أكثر من سبعمئة مليار دولار, وكان حجم الأموال المهربة والمودعة في بنوك أجنبية, بأسماء المسؤولين الكبار, يصل حسب دراسة لإحدى الصحف الأمريكية, الى مئتين وخمسين مليار دولار, وهذه أرقام مرعبة يسهل النطق بها باللسان, ولكنها في واقع الحال مبالغ هائلة, قادرة على نقل العراق, من حالة البؤس والشقاء والحرمان, الى وضع يضاهي فيه الدول المتقدمة, وحجم السرقات هذا يدل على ان وارد العراق, انما يذهب الى جيوب حفنة صغيرة من السراق والمنتفعين, من كبار المسؤولين وزعماء الأحزاب, ومن يرتبط بمنظومتهم, ولا يبق للمواطن البسيط إلا النزر اليسير, وهذا ظلم لا يمكن السكوت عنه, واستهانة بشعب قدّم من التضحيات ما لم يقدّمه شعب من الشعوب.
لذلك ينبغي ان لا تمر اعترافات وزير الدفاع خالد العبيدي مرور الكرام, أو نسمح بتسويفها والتغطية عليها, لأننا ندرك ان عرابي الفساد, بدؤوا يتحركون لتطويق هذه الفضيحة, ومنع امتداد حريقها ليشمل شخصيات كبيرة, طالما صدعت رؤوسنا بدعوات الإصلاح, وبرامج التنمية ومحاربة الفساد, وهذه فرصة ذهبية لمن يدعي العمل من أجل هذا الشعب المحروم, ان يجتهد لكشف المستور مما وراء هذه الاعترافات, لوضع حد لمسلسل نهب أموالنا وثرواتنا, وهذا يحتاج الى وضع آليات شعبية, تدعم سلطة النزاهة والقضاء, وتعزز دورهما, الذي تحاصره السلطة السياسية ترغيباً وترهيباً, وذلك من خلال حشد جماهيري ضاغط, يعيد رسم قواعد اللعبة السياسية التي استأثرت بها أحزاب الفساد.

محمد محي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى