اخر الأخبارثقافية

تغييب الصوت الفلسطيني ..عدو المثقف الأول

 تتعامل وسائل الإعلام الغربية مع حرب الإبادة التي تجري في غزّة بلا أبالية بينما يعدها الكثير من الحقوقيّين ورجال القانون أكبر اختبار للضمير الأوروبي في هذا القرن.

وتشهد حلقات النقاش تغييباً مقصوداً للصوت الموالي للفلسطينيّين: ففي أحسن الحالات يُستقدم مشاركٌ لا يُتقن اللغة الفرنسية ولا مناهج الجدل، مما يجعل عرضَ وجهة نظره ضعيفًا، لا يقدر على مواجهة السردية الأخرى ناهيك عن تفنيدها. وفي المقابل، يُستدعى متحدّث الجهة الأخرى وقد صقل حججَه وأعدّها بصرامة، مما يقلب موازين النقاش تماماً.

وكلّما حصلت مجزرة في غزّة؛ والمجازر شبه يوميّة، تُعدُّ الإذاعات الفرنسية تقريراً عن عائلات الأسرى الإسرائيليين ومعاناتهم، في تلاعب مقصود بأوجاع الناس والمزايدة على آلامهم التي تضخّم هنا وتُغيَّب هناك.

وهكذا، فإنَّ آليات التغييب تشكّل “استراتيجية متكاملة” تُوظف بحسب السياقات لإضعاف الصوت الفلسطيني الغزّي وتغييب صورته ومعاناته.

ولا ينكر أحد أنَّ هذا التضليل لم ينجح مع عديد الفئات الاجتماعية، وأنَّ الصوت الفلسطيني رغم محاولات إسكاته والتعمية عليه قد بلغ الشارع الأوروبي وحرّكه، لا سيّما في إسبانيا والبرتغال، غير أنّ ذلك كان بفضل قنوات كافحت من أجل المغايرة، وأتاحت للواقع أن يظهر من خلف الأغلال المفروضة عليه.

وغنيٌّ عن القول إنّ هذه الصحافة تعمل بمنأى عن القيم المهنية والموضوعية التي غالباً ما تتبجّح بها، متّهمةً الصحافة غير الغربية بالتحيّز، في استمرار النهج المتفوّق الذي يمثّل الغير دائماً في صورة دونية. ولذلك، يمثّل هذا النوع من تعامل الإعلام الغربي ضربة أخرى للحداثة وقيمها، لأنّه يُسهم في تزييف الوعي الحرّ ويعمل على تغييبه وإغراقه في الأوهام وأنصاف الحقائق. إنها ضربة للثقافة بما هي تطلّع للوقوف على الواقع كما هو، بعيداً عن تلاعبات الخطاب الرسمي الذي تحرّكه مصالح المال وتوجيهات الأيديولوجيا، وهي كلّها تُناقض حقّ الحصول على معلومة حقّة، فضلاً عن توظيف الحسّ النقدي في التعامل مع الظواهر المنقولة.

وليست هذه الخطوات مجرد تحيّز إعلامي مكشوف، بل هي أكثر خفاءً وأشدّ إقصاءً، لأنّها ترتقي إلى خطّة منهجية غرضها تغييب صوت الآخر وصورته، أي إبادته من المشهد الإعلامي ومن الوعي وحتّى من التعاطف. فهي أدهى بكثير من ازدواجية المعايير؛ إذ إن هذه الأخيرة أهون الشرَّيْن، حيث تقرّ بوجود طرف مستضعَف. أما الإبادة الإعلامية، فهي كنظيرتها العسكرية الواقعية، تتوسل بكل الأدوات المنطقية أو تلك التي تظهرها بهذه الصورة، بغية السيطرة على العقل وتدمير كل حظوظ الفلسطينيّين في إيصال مأساتهم إلى الرأي العام.

والأنكى أن بعض المثقفين يصفون هذه المآسي بأنها “محض أحداث تُحفظ في خزائن التأريخ” لتشهد عليه ولو بعد حين. وهي دعوة للتهرّب من المسؤولية الأخلاقية والمعرفية التي تقع على عاتق المثقف، الآن وهنا، قبل أن تُدفع المأساة إلى أرشيف التأريخ، وينتهون هم إلى مزابله.

وهذا الأسلوب المضلل هو عدو المثقف الأول وعليه أن يجعل الإعلامَ موضوع نقده الرئيس وأن يخضعه لآليات التشريح. ففي هذه المرحلة بالذات، يتبين أن التعامل الإعلامي مع حرب غزة سقوط آخر لمعقل من معاقل الحداثة وما تبقى فيها من بيوت الحس الأخلاقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى