لماذا بلغ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلى مراتب القرب؟

إن أقصى مقام يجب علينا أن نسعى لكي نصل إليه هو مقام التسليم المطلق، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً}.
وفي مناجاة موسى عليه السلام: ((أَيْ رَبِّ، أَيُ خَلْقِكَ أَحَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ مَنْ إِذَا أَخَذْتُ حَبِيبَهُ سَالَمَنِي، قَالَ: فَأَيُّ خَلْقٍ أَنْتَ عَلَيْهِ سَاخِطٌ؟ قَالَ: مَنْ يَسْتَخِيرُنِي فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا قَضَيْتُ لَهُ سَخِطَ قَضَائِي)).
وروي ما هو أشد منه، وذاك أن الله تعالى قال: ((أَنَا اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي، وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي، فَلْيَتَّخِذِ رَبّاً سِوَائِي)).
ولقد بلغ الرسول الأعظم أقصى مراتب القرب إلى الرب ونال شرف مقام أعظم رسل الله تعالى وخاتمهم لأنه كان أشد الناس عبودية لله تعالى حيث علم بأن الله تعالى هو الرب بقول مطلق فكان هو العبد الطائعة جوارحه والراضية بالقضاء جوانحه، بقول مطلق، ولذا ورد ((وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ))، فإنه يُستفاد منه أن مقام العبودية سابق على مقام الرسالة إذ طابق الإثبات الثبوت حيث انه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أشدّ عباد الله عبودية وأكثرهم خضوعاً وكان (العبد) من كل الجهات وبكل الجهات، حظى بشرف أن يكون {رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ} وان يصل إلى مقام {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}.
والمشكلة الأساس ان كل واحد منا يعتبر نفسه ذا نظر وخطر، مع انه ليس إلا {عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ}.
والمتحصل من ذلك كله هو كلمة واحدة مفتاحية (لا تكن مجتهداً في مقابل الله تعالى)! بل اعمل على حسب ما سنّه من السنن إذ ((أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا عَلَى الْأَسْبَاب)) و{وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وحينئذٍ سيمنحك على حسب سعيك {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى} فإذا أدت المقدمات التي مهدتها إلى النتائج التي توخّيتها فهو المطلوب وإلا عوّضك الله تعالى بما لا عين رأت… فلِمَ الفزع؟ ولِمَ الجزع؟ وهل يجني المرء من الفزع والجزع إلا خسارة مزدوجة؟ وقد ورد ((أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ (عليه السلام): يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وَأُرِيدُ، وَأَنَّمَا يَكُونُ مَا أُرِيدُ، فَإِنْ سَلَّمْتَ لِمَا أُرِيدُ كَفَيْتُكَ مَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْ لِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيد)).



