من أنواع الرذائل.. صغر النفس ودناءة الهمة وعدم الغيرة والحَمِيَّة

صغر النفس هو ملكة العجز عن تحمل الواردات، وهو من نتائج الجبن، ومن خبائث الصفات. وتلزمه الذلة والمهانة، وعدم الاقتحام في معالي الأمور، والمسامحة في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، والاضطراب بعروض أدنى شيء من البلايا والمخاوف. وقد ورد في الأخبار أن المؤمن بريء عن ذلة النفس، قال الصادق عليه السلام: (إن الله عز وجل فوض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا: أما تسمع الله تعالى يقول: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
فالمؤمن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا، إن المؤمن أعز من الجبل، الجبل يستقل منه بالمعاول والمؤمن لا يستقل من دينه شيء. وقال عليه السلام: (إن الله فوض إلى المؤمن كل شيء إلا إذلال نفسه) وقد وردت بهذا المضمون أخبار أخرى. وعلاج ما تقدم في معالجة الجبن.
كبر النفس وصلابتها
وضده (كبر النفس وصلابتها)، وقد عرفت أنه ملكة التحمل لما يرد عليه كائنا ما كان. وقد دلت الأخبار على أن المؤمن ذو صلابة وعزة ومهابة، وكل ذلك فرع كبر النفس. قال الباقر عليه السلام: (المؤمن أصلب من الجبل)، وقال عليه السلام: (إن الله تعالى أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا والآخرة، والفلح في الدنيا والآخرة: والمهابة في صدور الظالمين).
وصاحب هذه الملكة لا يبالي بالكرامة والهوان، ويتساوى عنده الفقر واليسار والغنى والإعسار، بل الصحة والمرض والمدح والذم، ولا يتأثر بتقلب الأمور والأحوال. وهي ملكة شريفة ليست شريعة لكل وارد، ولا يصل إليها إلا واحد بعد واحد، بل لا يحوم حولها إلا أوحدي من أفاضل الحكماء، أو ألمعي قوي القلب من أماثل العرفاء. وطريق تحصيلها -بعد تذكر شرافتها- أن يتكلف في المواظبة على آثارها والاجتناب عما ينافيها، حتى تحصل بالتدريج.
الثبات أخص من كبر النفس
قد عرفت أن الثبات أخص من كبر النفس، وهو ملكة التحمل على الخوض في الأهوال، وقوة المقاومة مع الشدائد والآلام، بحيث لا يعتريه الانكسار، وإن زادت وكثرت. وضده الاضطراب في الأهوال والشدائد، ومن جملة الثبات الثبات في الإيمان، وهو اطمئنان النفس في عقائدها، بحيث لا يتزلزل فيها بالشبهات، قال الله تعالى: (يُثبِّتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة).
وهذا الاطمئنان من شرائط كسب الكمال وفضائل الأعمال، إذ ما لم تستقر النفس على معتقداتها في المبدأ والمعاد لم يحصل لها العزم البالغ على تحصيل ما يتوقف فائدته عليها، فمن ليس له هذا الثبات لا تجده ثابتا ومواظبا على شيء من الأعمال الفاضلة، بل هو: (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران)، والمتصف به مواظب لها دائما من غير فتور. وعدم هذا الثبات لعدم البصيرة الباطنة أو لضعف في النفس. فوجوده يحصل من المعرفة وقوة النفس، فهو من فضائل العاقلة وقوة الغضب، وعدمه من رذائل إحداهما أو كليهما.
دناءة الهمة
ومن أنواع الرذائل ولوازمها المتعلقة بالقوة الغضبية: دناءة الهمة، وهو قصور النفس عن طلب معالي الأمور وقناعتها بأدانيها، وهو من نتائج ضعف النفس وصغرها. وضده (علو الهمة)، وهو ملكة السعي في تحصيل السعادة والكمال وطلب معالي الأمور، من دون ملاحظة منافع الدنيا ومضارها، حتى لا يعتريه السرور بالوجدان ولا الحزن بالفقدان، بل لا يبالي في طريق الطلب بالموت والقتل وأمثالهما. وصاحب هذه الملكة هو المؤمن الحقيقي الشائق للموت، والموت تحفة له، وأعظم سرور يصل إليه، كما ورد في الأخبار.
وهذه الملكة من نتائج كبر النفس وشجاعتها، وهي أعظم الفضائل النفسانية، إذ كل من وصل إلى المراتب العظيمة والأمور العالية فإنما وصل إليها لأجلها، إذ صاحبها لا يرضى بالمراتب الدنية، ويشمر لتحصيل المراتب العالية والأمور المتعالية، وفي جوهر الإنسان وجبلته أن يصل إلى كل ما يجتهد في طلبه: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) من طلب الشيء وجد وجد، ومن أفراد علو الهمة الشهامة، وهو الحرص على اقتناء عظائم الأمور توقعا لجميل الذكر على مر الدهور.
الغيرة على الدين والحريم والأولاد
مقتضى الغيرة والحمية في (الدين) أن يجتهد في حفظه عن بدع المبتدعين، وانتحال المبطلين، وقصاص المرتدين وإهانة من يستخف به من المخالفين، ورد شبه الجاحدين، ويسعى في ترويجه ونشر أحكامه، ويبالغ في تبيين حلاله وحرامه، ولا يتسامح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما الغيرة على (المال)، فلا تظن أنها ليست ممدوحة لسرعة فناء المال وعدم اعتناء الأخيار، إذ كل إنسان ما دام في دار الدنيا محتاج إليه، وتحصيل الآخرة أيضا يتوقف عليه. إذ كسب العلم والعمل موقوف على بقاء البدن وهو موقوف على بدل مما يتحلل عنه من الأغذية والأقوات. فلا بد لكل عاقل أن يعتني بالمال ويجتهد في حفظه وضبطه، بعد تحصيله من المداخل الطيبة والمكاسب المحمودة، ومقتضى السعي في حفظه المعبر عنه بالغيرة عليه ألا يصرفها في مصرف لا تترتب عليه فائدة لآخرته أو دنياه، كإنفاقه للرياء والمفاخرة والتضيف، أو بذله على غير المستحقين بلا داع ديني أو دنيوي أو عادي، أو تمكينه الظلمة والسارقين وأهل الخيانة من أخذه علانية أو سرا، أو عدم مبالاته بتضييعه من غير أن يصل نفعه إلى أحد، أو إسرافه في بذله، أو غير ذلك من المصارف التي ليست راجحة بحسب العقل والشرع ولا يعود إليه عوض في الآخرة والدنيا. بل مقتضى الغيرة عليه أن يصرف جميع أمواله في حياته في المصارف التي تعود فائدتها إلى نفسه، ولا يترك شيئا منها لوراثه إلا للأخيار من أولاده، إذ بقاؤهم بمنزلة بقائه، ويترتب على وجودهم -مع حسن حالهم وعيشهم- جميل الذكر وجزيل الثواب له بعد موته.



