اراء

هجرة العقول

بقلم: رياض توفيق مجيد
كان لي لقاء تلفزيوني عام ٢٠٠٧ يديره الاعلامي في فضائية الفيحاء المرحوم احمد عبد الصمد، وكان اللقاء تحت عنوان هجرة العقول.. ابتدأت الحديث في مقدمة اللقاء عن التخطيط كمفتاح وأسس لإدارة وتوضيح تفاصيل الموضوع بالتدريج، فلابد من شرح يوضح كيفية تطور العلم والعلوم والتخصص والاختصاص الدقيق، وبالتالي قيمة هذه الكفاءات التي صرف عليها البلد، الكثير حتى وصلت لتسمّى كفاءة. تعمدت ان أوضح الفرق بين قيمة المتعلم وغير المتعلم وصاحب التحصيل العلمي العالي وصاحب الاختصاص الدقيق، كذلك الفرق بين العمالة الماهرة وغير الماهرة. والحقيقة ان ما دعاني للكتابة وتذكر هذا اللقاء، رغم مرور مدة طويلة هي رسالة وصلتني من صديق عن طريق وسائل التواصل يقول فيها، بأن السيد رئيس مجلس النواب يدعو الكفاءات العراقية والمهاجرين بالعودة إلى العراق.
تذكرت باني كنت قد قدمت شرحاً بذلك اللقاء عام ٢٠٠٧. بان العالم قد أصبح قرية صغيرة بسبب ما وصلنا اليه من ثورة في عالم الاتصال والتواصل والسفر والتقدم التكنولوجي بهذا المجال، فالكل يعرض خدماته وان الآخرين يعرفون بكفاءته وسيرته الذاتية، والكل أيضا يطلب ما يحتاجه من الكفاءات، لذا فأين ما وجدت الكفاءات العراقية وغيرها، امتيازات منصفة لخبرتها من أجر عالٍ وامتيازات معيشية وظرف أمني مستقر وهو العامل الأكثر أهمية للمعنيين في الأمر بل لكل انسان يبحث عن العيش برفاهية في حياته له ولعائلته وبما يستحقه ذوو الكفاءة والاختصاص من تقدير واحترام مع اعطائهم مساحة من الوقت والدعم المادي والمعنوي بمجال البحث والتطوير والدراسة للتقدم العلمي في ميدان الاختصاص.. أمر بديهي ان نجد هذه الكفاءة هناك بتلك البيئة المشجعة لا البيئة الطاردة، وهذا ما جرى وشاهدناه أيام النظام السابق حيث الكفاءات والعقول العراقية هاجرت لجميع أنحاء المعمورة حتى الى البلدان الأفقر من العراق، حيث الامان والاحترام والتقدير والمرتبات العالية، ولم تبقَ بقعة في العالم إلا ونجد فيها كفاءة طبية أو هندسية أو محاسبية أو يداً ماهرة وحتى غير ماهرة من أسطة بناء أو طباخ …الخ من الكفاءات التي لم تستطع الاستمرار بالعيش في ظل ظروف البيئة الطاردة.
إذن هنا يبرز دور الحكومة العراقية بتوفير ما وفرته الشركات والحكومات التي أغرت الكفاءات العراقية وجذبتها (سرقتها) من بلدها الذي لم يعرف قيمتها، على الحكومة ان تدعو تلك الكفاءات المهاجرة بعد ان توفر لهم الامتيازات والامان والاحترام، لا بدَّ ان يتيقن الجميع اننا من دون استثمار الكفاءة الوطنية لن نبني وطناً ولن نواكب ركب التقدم والتطور واللحاق ببقية الشعوب.
ان العراق بلد غني بالتالي يجب أن تكون فيه فرص العمل متاحة أكثر من غيره من البلدان، لكننا نجد الهجرة مستمرة لأسباب عدة كهجرة الأطباء لتعرضهم للتجاوز عليهم من قبل بعض المراجعين بالمستشفيات. فيما نجد كفاءات أخرى تهاجر لعزلهم من مواقعهم التدريسية لأسباب سياسية، فضلا عن انعدام حرمة الاستاذ الجامعي وحريته الاكاديمية في انتخاب عمادات للكليات ورؤساء الأقسام التي خضعت جميعها الى آفة المحاصصة.
أخيرا نقول، ان فقدان الكثير من العقول والمهارات العراقية، يؤثر بشكل مباشر في دعم المشاريع التنموية، وبما يؤدي إلى تعطيل التنمية والتقدم المنشود.. لذا يجب الحفاظ على الثروة الوطنية من الضياع لدورها الفعال كما أسلفت في عملية البناء وديمومة بقاء دولة، فالثروة الحقيقية هي العقول، فمهما امتلكنا من موارد طبيعية مختلفة، لا نستطيع ادارتها والاستفادة منها بشكل علمي وعملي صحيح، من دون وجود المبدع والمبتكر، لتحقيق التنمية والتخلص من الفقر والجهل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى