القيمة الإنسانية لإحياء المولد النبوي

جميل عودة ابراهيم..
جرت العادة، أن يحيي المسلمون ذكرى ولادة النبي محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” في الأيام من 12 ربيع الأول إلى 17 ربيع الأول من كل عام، بحسب روايات الطائفتين المسلمتين، السنة والشيعة، وتحظى هذه المناسبة باهتمام رسمي وشعبي في العديد من الدول الإسلامية، وقد تستمر الاحتفالات والفعاليات الدينية والاجتماعية طوال شهر ربيع الأول، تيمناً بهذا اليوم. وتتنوع هذه الفعاليات بين مؤتمرات وندوات وخطب، وزيارات لمراقد أهل البيت (ع) وتلبية حاجات الأيتام والشباب وذوي الحاجات الخاصة والمعاقين، مثل إطعام الطعام، وتهيئة الكسوة، وتزويج الشباب، وبناء البيوت واطئة الكلفة لمن لا سكن له، وتوزيع الحلوى وإنشاد الأناشيد المرحبة والمبتهلة بقدمه الشريف وغيرها.
والسؤال هنا؛ ما أهمية استذكار المولد النبوي الشريف للمسلمين؟ وهل حث القرآن الكريم المسلمين على الأخذ من الرسول وجعله أسوة حسنة في أقوالهم وأفعالهم وسلوكهم؟ وما التأثيرات الإيجابية لهذه المناسبة على ماضي المسلمين وحاضرهم ومستقبلهم؟ وكيف يتسنى للمسلمين إحياء هذه المناسبة بما يعزز رابطة الوحدة فيما بينهم، وينمي مفهوم (إنما المؤمنون أخوة)؟.
في الواقع، ارتبطت الولادة بالنبوة والرسالة ارتباطا عضويا، فلولا البعثة والنبوة والرسالة ما عرف المؤمنون والمسلمون والموحدون قدر ذلك الرجل العظيم في تاريخ البشرية ومستقبلها. فمن خلال البعثة والنبوة والرسالة، استطاع المسلمون أن يرجعوا إلى بداية نشأة هذا النبي الكريم، وإلى نسبه، وإلى الظروف التي أحاطت به، وإلى المواقف التي سطرها قبل البعثة حتى عُرف بالصادق الأمين.
وجاء القرآن الكريم، كتاب الله الذي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ليؤكد مجموعة من الحقائق المرتبطة بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) والتي كلها تؤكد وجوب الأخذ من الرسول (صلى الله عليه وآله) (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وأنه أسوة حسنة للناس (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) وأنه رسول بالحق، وهو بشير ونذير (إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ الجحيم) وهو رسول مكلف بتلاوة هذه الآيات لغرض التزكية والتعليم والحكمة (كما أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ) وأن وجوده بين المؤمنين هو منة من الله وفضل عظيم (لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ) وأن إطاعة الرسول من إطاعة الله (مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا).
كما أن الإيمان بهذا النبي ورسالته وكتابه من شأنه أن يُكفر ذنوب الناس (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُوا۟ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) وهو شهيد على أقوالنا وأفعالنا (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًا لِّكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ). وفي مقابل هذا العطاء العظيم من الله ورسوله، فانه لا يريد من الناس شيئا إلا شيء واحد هو (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ).
فحياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت مثالاً وأنموذجاً واضحاً للحياة الإسلامية، فهو الإنسان الكامل المختار من قبل رب العباد لإيصال رسالته الخالدة والخاتمة إلى الناس أجمعين، وهو المرسل رحمة للعالمين قال الله عنه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وهو الإنسان النموذجي والمربي المرشد لأتباعه وللإنسانية جمعاء وإرشاداته القيمة كانت تشمل جميع الناس في السلم والحرب، فالرسول “عليه أفضل الصلاة والسلام” هو ذروة الإنسان الكامل وأحسن الناس خَلقاً وخُلقاً. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّراً وَنَذِيرا * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً)؛ فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان سراجاً منيراً كان ينير الجوّ بأخلاقه، بمسلكه، بطريقة عمله، بتعامله، بعلمه، بحكمته.
كان الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) أميناً، وصادقاً، وصبوراً، ومتواضعاً وشهماً ومدافعاً عن المظلومين في الحالات كافة. كان سلوكه سليماً وكان تعامله مع الناس يقوم على أساس الصدق والصفاء والصحّة. كان حَسَنَ الكلام، كان طاهراً، معروفاً بالعفّة والحياء والطهارة وكان الجميع يقبلونه ولم يكن متلوّثاً بأيّ شيء. كان شجاعاً ولم تتمكّن أيّة جبهة من الأعداء مهما كانت عظيمة أن تفتّ من عضده أو تخيفه. كان صريحاً، يوضّح كلامه انطلاقاً من الصراحة والصدق. كان في حياته حكيماً وزاهداً كما كان رؤوفاً متسامحاً كريماً وكان يعطي المال ولا ينتقم، كان سموحاً وعَفُوّاً.
ويمكن التركيز على ثلاثة مبادئ أساسية دعا إليها النبي محمد “صلى الله عليه وآله وسلم” في بعثته ورسالته، وهي: التوحيد، ومكارم الأخلاق، وتنظيم حياة الإنسان.
1- مبدأ التوحيد: التوحيد في مقابل الشرك، ومعناه أن الله عز وجل واحد، وليس متعددا، فهو ليس أثنين ولا ثلاثة ولا أربعة، فقد قال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ويعد التوحيد حقاً من حقوق الله على عباده، فان أمنوا أنه أحد صمد فان الجنة جزاؤهم، وإن أصروا على الكفر به أو إشراكه مع آخرين بعناوين متعددة كانوا من أهل النار. والتوحيد هو أهم الأصول الاعتقادية في الإسلام، يؤكد أن الله واحد، وليس له مثيل، ولا جزء له، ولا شريك له في خلق العالم. فأول ما هتف النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في بدء دعوته إلى الإسلام، كانت كلمة التوحيد والشهادة على أحادية الله، ونفي الشرك. وللتوحيد مكانة خاصة في القرآن الكريم، وروايات أهل البيت (ع) فمضمون سورة الإخلاص أيضاً هو التوحيد.
2- مبدأ تنظيم حياة الناس: في إطار التوحيد والأخلاق، كان مبدأ الدعوة إلى تنظيم حياة الناس الشخصية والاجتماعية والسياسية والقانونية من أهم المبادئ التي دعا اليها الرسول (صلى الله عليه وآله).



