اخر الأخباراوراق المراقب

الحكومة وتحقيق العدالة في الاسلام

المفكرون السياسيون والاجتماعيون وحتى علماء النفس، يتفقون على أهمية وجود الحكومة التي تدير شؤون الشعب، ومن غير الممكن أن تكون هناك دولة بلا حكومة، بل تعدّ الحكومة من أهم أركان تكوين الدولة بالإضافة إلى وجود الشعب والأرض وبقية الأركان الأخرى، فحتى مع المشكلات الكبيرة التي تصنعها الحكومات في شعوبها، إلا أنها تبقى مهمة من حيث إدارة شؤون الناس ومصالحهم المختلفة.
ومع الأهمية القصوى لوجود الحكومة في حياة الناس، إلا أنها يجب أن تتصف بصفات معروفة، وتتقيد بحدود ثابتة ومعرَّفة، كما أنها يجب أن تلتزم بأركان وتشريعات محددة، حتى لا تتحول إلى حكومة مستبدة، وكي لا يكون الحاكم فيها (سبعا ضاريا) يفترس الشعب بأسلوبه في الحكم وبقراراته القمعية المؤذية.
فقد أثبت التاريخ وكل الوقائع السياسية في الماضي والحاضر، أن الحكومة لا يمكن أن تحقق النجاح في مهامها الحكومية ما لم تكن حكومة عادلة، فالعدل أساس النجاح والتوفيق في كل شيء، وهذا يشمل الحكومات والأفراد معا، فلا توفيق يحققه الفرد ما لم يكن عادلا في حياته وفي تعاملاته المختلفة مع الآخرين، وهذا الشرط يشمل الجماعات والحكومات أيضا.
لا تكن عليهم سبعا ضاريا
هذا بالضبط ما دفع بالإمام علي عليه السلام، بأن يوصى والي مصر الصحابي (مالك الأشتر) بأن لا يتحول إلى (سبع ضارٍ) مع الشعب، وأن يتسم بالعدل كونه الأساس في تحقيق الموفقية والنجاح، ولهذا يحذره الإمام علي من أن يرتكب خطأ التعامل غير العادل مع الناس، وأن لا يتحول إلى أسلوب التوحش الذي يتسم به الحكام غير العادلين.
كذلك لابد أن تحذر الحكومات أيضا من الانجراف في طريق الظلم والقمع والابتعاد عن ركن العدل، فالمعروف والمتوقَّع أيضا أن الحكومة تنزلق نحو الظلم، كونها تتمتع بالسلطة وعندها صلاحيات كبيرة، وهناك تشريعات تجيز لها مراقبة ومحاسبة الناس، ولكن حكوماتنا كما قرأنا في التاريخ المنظور، تمارس القسوة والسطوة على الناس.
المشكلة أيضا غالبا ما تتواجد السطوة والقسوة في وجود الحكومة، وهذا يجعل منها سيفا مسلطا على رقاب الناس، ولذلك يجب أن تتمك مراقبة أفعال وقرارات الحكومة، وأن تكون هناك مؤسسات دستورية مهمتها كبح قرارات الحكومة وتصرفاتها غير العادلة، أو تلك القرارات القاسية التي تلحق ضرارا بمصالح الشعب.
لذا يجب وضع تشريعات تحد من صلاحيات الحكومات، ولا تجعلها منفلتة، وتتصرف كما تشاء، وتصدر القرارات القمعية التي لا تخضع للرقابة والمراجعة والتمحيص، لذا يجب أن تكون هناك تشريعات جادة ورصينة لوضع حد للتنمّر الحكومي في حال حصوله، وأن تقوم الجهات التشريعية المخوَّلة بإصدار تشريعات تحد من الصلاحيات المفتوحة للحكومات.
ينطبق الشيء نفسه على الحاكم، فلا يجوز له ما لا يجوز لحكومته، وإذا كانت الحكومة مقيدة بتشريعات دستورية تطالبها بالعدل في إصدار القرارات، فإن الحاكم أيضا يجب أن يكون عادلا في تصرفاته وقراراته، لدرجة أنه يجب أن لا يرى لنفسه أكبر من المواطنين العاديين، بل هو بنفس مستواهم ولا يفرق عنهم بشيء.
هذا ما يجب أن يتحلى به الحاكم، وأن يكون عادلا مع الجميع، ويساوي نفسه معهم في معيار الحقوق والواجبات، ولا يفضّل نفسه عليه في أي شيء، حتى وإن كان هناك مواطنون من غير ملّته، فهذا الاختلاف لا يبيح له التمييز في التعامل معهم، بل عليه أن يتخذ من المنهج العادل في التعامل سبيلا له مع الجميع.
هذا النوع من الحكام سوف ينجح في قيادته للدولة والشعب، كونه يتخذ من العدل أسلوبا لحكمه، كما أنه يتقبل الأحكام حتى لو صدرت ضده، وهذه صفة الحكام الكبار الناجحين الموفقين، لهذا كان العدل وسيبقى سبيلا لنجاح القادة العظماء المتميزين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى