أمحمدٌ لا زِلتَ لُغزًا حائرًا

شعر: أديب عبدالقادر أبو المكارم
مِنْ أينَ أبدأُ؟ كلُّ آياتِ الهوى — بِكتابِ خدِكَ تستَفِزُّ خشوعي
ويَفيضُ مِنْ صوتي حنينُ تلاوةٍ — وتَهلُّ محرمَةً لِذكَ دموعي
فإذا (مَقامُ) الصَّبِّ يا أملي (صبا) — ما (قرَّ) حيثُ (جوابُهُ) بِضلوعي
ويَخِرُّ قلبي مُثقلاً بِغرامِهِ — وأقولُ: يا اللهُ! زِدْ بِوقوعي
زِدْ مُهجتي وَلَعًا بِمنْ أحببتَهُ — فهواهُ في دربي الطويلِ شموعي
فهو الرؤوفُ هو الرحيمُ (محمدٌ) — وبيومِ حشري مُنقذي وشفيعي
هو خيطُ شَمسٍ نحوَ حُبِّكَ سيدي — مَغنايَ نحوَ عبادتي وربوعي
وهواكَ رَبِّي دونَ حُبِّ محمدٍ — مِثلُ الحديثِ المرسلِ الموضوع
كمْ تَنحني الدُّنيا له في دَهشةٍ — لِعظيمِ خُلقٍ رائعٍ وبديعِ
ويصوغُ مِنهُ الأفقُ وِردَ صلاتِهِ — وتَشمُّهُ الأرضونَ وَردَ رَبيعِ
أمحمدٌ لا زِلتَ لُغزًا حائرًا — بِنُهىٰ الورى ويَحارُ فيهِ جوابُ
تَتَماوجُ الدُّنيا بِعينِكَ سُكرًا — إذْ صِيغَ مِنها للسلامِ قِباب
تَمتَدُّ نحوَ الشوكِ وردًا يانِعًا — نَهرًا عطوفًا رحمةً تنساب
والشوكُ يُدمي الوردَ عمدًا أو عمىً — وتُصِّرُّ تَمسحُ عينَهُ وتُصاب
وتمدُّ كفَكَ للسلامِ، يَنَالُها — فكٌّ عَضوضٌ فاغرٌ سَبَّاب
لكنَّها أبدًا تظلُ رحيمةً — تَهبُ الوفاءَ وعطفُها سيَّاب
يا نَغمةً مُنسابةً في ضَجَةٍ — سَكَنتْ لها الأرواحُ والألباب
فأتوك أفواجًا لِدينِكَ خُشَّعًا — وبِشخصِكَ الفَذِّ المُعظَّمِ ذابوا
ونَزَعتَ ما بصُدُورِهم مِنْ غِلظَةٍ — وهتفتَ دِينُكَ بالعقولِ يُصاب
سُبحانَ مَنْ أعطاكَ بعضَ صفاتِهِ — فَخَلقتَ وعيًا والعقولُ تُهاب
يا طَلعَةَ الفجرِ المُنيرِ تَرقرَقتْ — في كفِكَ الأضواءُ والأنوارُ
سالتْ بِمكةَ فاستنارَ بِها الهُدى — وبطيبةٍ فسما بها الأحرار
مِنْ فَجرِكَ انبلجَ الضياءُ فأغرقَ الـ — ـظلماتِ حتى شَعَّتِ الأفكار
بِجناحِ زوجٍ وابنِ عمٍ وابنةٍ — حلَّقتَ فالدُّنيا هُدى ومنار
وصَنعتَ بالأخلاقِ عالمكَ الذي — تحنو لهيبةِ ضوئهِ الأقمار
وَرَبتْ على تلكَ الفضائلِ أمةٌ — فَتَفتَحتْ في كفِها الأزهار
بِكتابِكَ القُدسيِ أوقدتَ الهُدى — فَبِهِ القلوبُ معَ العقولِ تُثار
ولِدينِ ربِّكَ قد دعوتَ بِحكمةٍ — لا السيفُ يحكمُ لا ولا الإجبار
إيهٍ أبا الزهراءِ! صوتُكَ لم يزلْ — فينا وقلبُكَ للحياةِ مَدار
وضياكَ يخترقُ الحواجزَ والمدى — ما كانَ يُبصرُ دونَهُ الإبصار



