الرحمن الرحيم.. والفرق بينهما

يذهب بعض المفسّرين إلى أنَّ (الرحمن) هو ذو الرحمة الشاملة، فتعمُّ المؤمنين والكافرين، والمحسنين والمسيئين، والكل موجود في هذه الحياة الدنيا، بينما (الرحيم) هو: ذو الرحمة الدائمة، وذلك ما يختصُّ بالمؤمنين وحدهم.
ومن هنا قسّموا الرحمة إلى (رحمة رحمانية) تعمُّ الجميع، و(رحمة رحيمية) تختصُّ بالمؤمنين فقط، وهي الرحمة الخاصة والرحمة العامة، وسواء تم هذا الفرق أو لم يتمّ من الناحيتين: اللُّغوية والاصطلاحية، فالذي يهمُّنا أنّ الرحمة الإلهية على نوعين:–
النوع الأوّل: رحمة عامّة، تشمل كلَّ الموجودات بلا استثناء، من الجماد والنبات والحيوان والإنسان، والمؤمن والكافر والمنافق والصالح والطالح.
فلولا هذه الرحمة لم يفضِ الوجود على هذه الماهيّات (الحقائق)، ولم تنتقل من ظلمات (العدم) إلى نور (الوجود)، ولم يتعهدها الله سبحانه بالإمداد المستمر والعناية الدائمة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حيث قال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}. ونجد في الأحاديث الشريفة عيّنات تكشف عن جوانب من هذه الرحمة.
فقد روي عن الإمام العسكري (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنّ إبراهيم (عليه السلام) لمّا رُفع في الملكوت، وذلك قول ربي: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} قوّى الله بصره لمّا رفعه دون السماء، حتّى أبصر الأرض ومن عليها ظاهرين متسترّين، فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة، فدعا الله عليهما بالهلاك فهلكا، ثمّ رأى آخرين فدعا عليهم بالهلاك، فهلكا، ثمّ رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك، فهلكا.
ثمّ رأى آخرين فَهَمَّ بالدعاء عليهما بالهلاك، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي، فإنّي أنا الغفور الرحيم الجبّار العليم، لا تضرّني ذنوب عبادي، كما لا تنفعني طاعتهم، ولست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك، فاكفف دعوتك عن عبادي، فإنّما أنت عبد نذير، لا شريك في المملكة ولا مهيمن عليَّ ولا على عبادي، وعبادي معي بين ثلاث: إمّا تابوا إليَّ فتبتُ عليهم وغفرتُ ذنوبهم وسترتُ عيوبهم.
وإمّا كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريّات مؤمنون، فأرفق بالآباء الكافرين، وأتأنّى بالأُمهّات الكافرات، وأرفع عنهم عذابي ليخرج أُولئك المؤمنون من أصلابهم، فإذا تزايلوا حقّ بهم عذابي وحاق بهم بلائي، وإن لم يكن هذا ولا هذا، فإن الذي أعددته لهم من عذابي أعظم ممّا تريدهم به.
مقوّمات الرحمة الخاصة: لكي تتحقّق ظاهرة مّا، لا بدّ من وجود مقوِّمين:
1 ـ تماميّة فاعلية الفاعل: إذ الفاعل (معطي الوجود، أو معطي الحركة) لو لم يكن تامّ الفاعلية، فلا يستطيع أن يحقّق المطلوب، فالمشلول مثلاً لا يستطيع أن يصنع سريراً أو ينحت تمثالاً ـ مثالاً ـ.
2 ـ تمامية قابلية القابل: فربّما يكون الفاعل تامَّ الفاعليّة، إلا أنّ القابل غير مؤهّل لتلقّي الفيض من (الفاعل).
لماذا هاتان الصفتان؟.
لله سبحانه صفات كثيرة وقد ذكر في دعاء الجوشن الكبير (25) ألف اسم وصفة من أسماء وصفات الله سبحانه وتعالى، فلماذا تمّ في هذا الشعار القرآني (البسملة) اختيار هاتين الصفتين بالذات؟.. ولا شكّ أن (صفات الذات) أشرف من صفات الفعل، فلماذا تمّ انتخاب صفة من صفات الفعل دون صفة من صفات الذات ـ كالعلم مثلاًـ؟.
ويمكن الإجابة عن هذا السؤال: إنّ الرحمة الإلهية ذات صلة مباشرة بحياة الإنسان، بل بوجود الكون كلِّه ـ فلولا الرحمة لم يكن الإنسان موجوداً، ولا كانت كمالاته الوجوديّة متحقّقة، فلم يكن هنالك علم ولا قدرة ولا نحوهما.
وارتهان الإنسان بكل وجوده بالرحمة الإلهية لا يقتصر على (الحدوث) فقط، بل يشمل (الحدوث) و(البقاء) معاً، فكلُّ فكرة تختلج في ذهنك، وكلّ نَفَسٍ تتنفّسه، وكلّ نبضة قلب وتتوقّف على إمدادٍ مباشر من الله سبحانه، ولو انقطع الفيض الإلهي لحظة لتوقّف كلُّ شيء، بل انتهى كل شيء.



