“ليلة إعدام الفقيه” أرشفة للاعتقالات والتعذيب والإعدامات في سجون الطاغية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد حمدي العطار أن أحداث رواية “ليلة إعدام الفقيه” للروائي “جمال الناصري” هي أرشفة للاعتقالات والتعذيب والإعدامات في سجون الطاغية.
وقال في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”:إن” الروائي “جمال الناصري” يرحل بذاكرته لصياغة مذكراته الشخصية بلغة بليغة تتصف في معظم مفاصلها بالصدق ، في ظل غياب العدالة الانتقالية في العراق بعد سقوط نظام الطاغية، تعد مثل هكذا سرديات بمثابة وثيقة سياسية وتأريخية تستند إلى قوة الذاكرة الجمعية وتمنع تجاهل ما حدث للشعب العراقي من قبل النظام القمعي البوليسي الدكتاتوري ويقطع الطريق على من يطلق على ذلك الزمن القاسي والمرعب (بالزمن الجميل) لأنه “لا يدرك الإنسان أحاسيسه ومشاعره، إلا حينما يقع على محك الاختبار، وحينما يصبح التصور حقيقة وواقعا، ويتحول الوهم إلى نسيج مرئي يلف الأفكار والعيون، لا يظهر ضعف الإنسان وقوته في الأحوال الاعتيادية، لكنها تبرز أوقات المحن والشدائد، وأضعف البشر هم العاطفيون”ص120 .
وأضاف:إن” جمال الناصري تعرض الى الاعتقال مرتين الاولى عام 1979 بتهمة الخروج من الجامع والقيام بتظاهرة مناهضة لنظام صدام وهي تهمة ملفقة لأنهم كانوا في المسجد وعند خروجهم أحد المصلين اخذه الحماس وصرخ الله اكبر فتم اعتقال كل من كان في الجامع ومنهم جمال الناصري وتعرض لأبشع أنواع التعذيب ولعدم اعترافه اطلق سراحه من محكمة الثورة عندما كان يترأسها “مسلم الجبوري” ثم اعتقل بعد حادثة (الدجيل) وكان التعذيب اشد واعترف على نفسه عَنوة وحكمت محكمة الثورة برئاسة (البندر) عليه بالحكم المؤبد!”.
وتابع :”على الرغم من المواقف المريرة والمؤلمة التي مر بها الناصري، لكن ذاكرته حية ويمكنه ان يسترجع اكثر المواقف النبيلة “انطلقت بنا السيارة، وكانت وجوهنا مكشوفة ، شاهدت على الطريق وسط الناحية، ويلا ليتني ما رأيت هذا المشهد الذي ظل محفورا في ذاكرتي، وسوف يظل حتى آخر نفس في حياتي، شاهدت أبي وهو يسير دون وعي منه أو انتباه، يمشي ويتعثر في الطريق ذاهبا إلى موقف الناحية عله يلحق بي، وجهه الذي أعرفه جميلا مشرقا ، صار منكسرا ، باهتا أشبه بوجه القمر في ليلة خسوف، عيناه تتقلصان حين يبصر بهما الطريق بلا تركيز،وخلفه يسير ابن أخي الصغير عدنان يحمل على رأسه صينية، وعرفت ما في الصينية مباشرة، لقد كان وجبة غداء التي عادت بعد حين كما هي، والخبز فيها مبلل بالدموع، فصاحب الوجبة قد دخل في غياهب الجب فابتلعته السجون”ص129 بهذه اللغة النقية يعبر الناصري عن محنته !”.
وأوضح : أن”الكتاب رواية سيرة ذاتية مرتبطة بأحداث عامة خارجية شخصياتها حقيقية و تستمد حوادثها من واقع مُعاش، تنتمي الى اجناس متعددة فهي (سيرة ذاتية ومذكرات شخصية- أدب السجون والمعتقلات- ادب الحروب- ادب السياسة- رواية انسانية) تصور هذا الانكسار الحاد الذي حدث في العراق نهاية عام 1979 ، الاعتقالات والتعذيب والاعدامات التي كانت تطال (الجميع) متهمون بلا استثناء! “.
وأشار إلى :أن ” الروائي “جمال الناصري” يؤكد في المقدمة “أن الجرائم لا تسقط بالتقادم” انها تجربة قاسية حملها معه المؤلف لأن ما حدث يصعب على اي انسان إذا مر فيه ان ينساه! وهذا الشرخ نتيجة -الظلم والذل وفقدان أعِزّاء واقارب ضياع الوطن -هذا الجرح لم يلتئم لفترة طويلة انما يستمر بالنزيف! هو مكاني ينطلق من ناحية صغيرة في الناصرية يطلق عليها (الفهود) “بلدة نائية تعد منفى وملاذا للهاربين والثوار والمتمردين ضد السلطة، يطويها النسيان في عزلة عن العالم، وفي ليلة ليلاء أمست على موعد مع الموت”ص7 ومن هذه الناحية ينطلق السارد الى كل مدن العراق إما أن يقضي فيها خدمة عسكرية او يعتقل في سجونها او يقيم مؤقتا لغرض رحلة الهروب من الامن والاستخبارات ( بغداد – اربيل – سوق الشيوخ) واماكن ومدن اخرى”.
وواصل :”على الرغم من المرارة فهو يصف جمال هذه المدن واهلها “بغداد مدينة لا تعرف الضجر ولا الملل ولا يمر بين جفونها الناعسة حزن، من لم يرَ بغداد أيام زمان، كأنه لم ير شيئا في الدنيا ، حاضرة المدن، فسيفساء متعددة الألوان، عروس تغفو على نهر دجلة، وكل ليلة يغسل وجهها القمر”ص113 اما اربيل فهو يعطي لها وصفا قبل 40 سنة اذ نقل اليها من بغداد كعقوبة لأنه (مُعارض) كان معتقلا وقد اطلق سراحه من محكمة الثورة!” اختلفت الطبيعة والأجواء وشعرت بأنني في مدينة أخرى مختلفة تماما، فالوجوه والأزياء والسراويل العريضة والموسيقى الكردية التي تصدح في الأرجاء، والقلعة التي تقف شامخة في قلب المدينة..المدينة صغيرة ليس فيها عمران أو بنايات، بل شارع يلتف حول القلعة الشهيرة قلعة أربيل”ص101 “.
وأكمل :إن”الرواية كتبت بأسلوب شيق ، وعالم شديد الخصوصية،سرد سلس غير مفتعل وشخصيات مرسومة بعناية ودقة، وهيكل رواية متسق، فعلا أن الروائي شاهد على العصر ! وتستحق القراءة فهي تتناول كل الاحداث والتغييرات الدراماتيكية التي جرت في فترة السبعينيات والثمانينيات ولا تخلو من إشارات تمثل الحاضر!”.



