التبليغ والمبلغ وخدمة الناس

إنّ تبليغ الدِّين عمل جادّ وحسّاس كالصراط،حيث يقود أدنى انحراف إلى نتائج معكوسة،فيرسل المخاطَب إلى النار بدلاً من الجنّة،ويجعله ينفر من الدِّين بدلاً من أن يحبّب الله والدين إليه،ويزرع فيه الأحقاد واللامبالاة تجاه الدين,لذلك ينبغي للمبلِّغ الدينيّ ألا يستصغر عمله،فينظر إليه كما ينظر إلى النشاطات العادية ليبقى غريباً عنه.
يجب أن يكون المضمون التبليغيّ متقناً قوياً وليس ضعيفاً وركيكاً،بحيث ينهار بأدنى انتقاد،ويمكن أن يكون محتوى الكلام سهلاً لكن يجب أن يكون متقناً،يقول الإمام الخامنئي(دام ظله):”ليكن عملكم محكماً منذ البداية،يعني سواء أكنتم معلّمين أم متعلّمين،لا تنطقوا بكلام واهن ولا تعربوا عن رأي ضعيف ولا تعتمدوا استدلالاً خاوياً وحتّى في المستويات المنخفضة، علينا أن نعلّم الشخص المنطق الصحيح الّذي يظلّ في ذهنه مقبولاً حتّى لو قوي عقله ونضج بالتجارب واتّسع بالمعلومات،فلا نقوم بتعليم المرء في الصفّ الأوّل كلاماً لا يقبله في الصفّ الخامس،فاثنان زائد اثنين يساوي أربعة،هذا الأمر تعلمونه في الصفّ الأوّل والثاني أيضاً.هذا ما تعلّمونه للطفل،وبعد عشرين سنة تظلّ النتيجة واحدة لهذا الشخص، كلّ ما في الأمر أنّنا في الصفّ الثاني نثبت له النتيجة باستدلال معيّن،وعندما يرتقي في المراحل الرياضية العليا نبرهن له نفس الحقيقة ونفس النتيجة ببرهان آخر.وهكذا يجب تعليم معنى: التوحيد، والنبيّ(ص)، والإسلام، والقرآن، والدين، والقيم الإنسانية،والأهداف الدِّينيّة.وبالطبع قد لا نستطيع تقديم دليل بسيط وواضح عن كثير من المفهومات والمعارف الإسلاميّة للعقول الابتدائية”.
وفي جميع أشكال التبليغ الدِّينيّ هناك ضرورة ملحّة لإتقان الكلام وإحكامه,فالبلاغ الدينيّ سواء أكان على شكل خطابة أم كتاب أم صحيفة أم فيلم أم..يجب ألا يكون ضعيفاً وخاوياً وقابلاً للنقد والابتعاد عن الاستدلال الضعيف القابل للنقد يعني عدم تصوير الواقع كما هو من الأمور الّتي تلحق ضرراً بالمرء على المدى البعيد. بالطبع لـه جاذبيته للوهلة الأولى،ولكننا لسنا في مرحلة نعمل فيها على المستوى القريب،فنحن في مرحلة تقتضي تخطيطاً وعملاً على المدى البعيد”،”..فينبغي على المبلِّغ الدِّينيّ عندما يتحدّث مع عامة الناس ألا يكون حديثه عامياً،فيلقي من الكلام ما يريد دون ضابطة بذريعة أنّ المخاطَب أمّيّ أو شبه أمّيّ،وعليه في مثل هذه الأوساط أن يعتمد خطاباً بسيطاً،ففنّ التبليغ يتطلّب منه ألا يخلط بين الكلام البسيط وبين التفكير السطحيّ:لا إشكال في توجيه خطاب بسيط إذا كان المستمع من العامّة ومستواه منخفضاً، لكن بساطة الحديث لا تعني الخطأ فيه”.
كذلك يؤكد الإمام(دام ظله):”ارتقاء المنبر يستدعي المطالعة،والمنبر دون مطالعة معناه أنّنا نطرح على الناس همّنا وغمّنا،الأمر الّذي يستبطن أنّنا لا نهتمّ بالناس”. ولا يفوت الإمام(دام ظله) أن ينبه على كيفية التبليغ وعدم الإكثار إذ يقول:”على المبلِّغ الدِّينيّ أن يهتم بكيفيّة تبليغه,فالإكثار يمنعه من إتقان الكلام”.
فيوجه الإمام (دام ظله) الخطباء على ضوء ما تقدم وينصحهم عدة نصائح هي:”ليجعل(أي المبلغ أو الخطيب) التفرّغ للمطالعة والبحث أصلاً في نشاطه.ولو انعكس ذلك سلبياً على عدد الخطب أو المؤلّفات؛ لتكن الأقوال والتصريحات علمية ،اجتنبوا الهزيل من القول ولا ترتقوا المنبر دون مطالعة.اطّلعوا على آخر وأفضل الأقوال المتعلقة بالقضايا الإسلاميّة. وقد يسفر ذلك عن تقليل خطاباتنا،لكن لا إشكال في ذلك،فهذه الوظيفة تحتّم على المرء لكي يتحدّث جيّداً أن يقلّل كلامه”.
أما من جانب الإقناع ولو بطول المدة فلا يفوت الإمام الخامنئي(دام ظله) التنبيه إليه إذ يقول:”يجب ألا تتلاشى تأثيرات التبليغ الدِّينيّ بسرعة،كمن يحدث فقّاعات على سطح الماء لا تلبث أن تختفي،فعلى المبلِّغ الدينيّ أن يسعى لإطالة مدى تأثيرات عمله أو يجعلها باقية،فيستوعب عقل المخاطَب وقلبه ويصوغ – استدلالياً – قناعاته،لا أن يصوغها حماسياً وفوضوياً ويجعل ذلك برهاناً على صحّة عمله”. ثم يردف:”على مبلِّغنا – ذلك المرء الّذي يخاطب الناس – أن يتحدّث مع الناس بأمور تثري أذهانهم لمدّة يُعتد بها،لا أن يتلاشى جهده التبليغيّ بكلمة أو بشعار أو بكتيّب. فالمشكلة تكمن في أنّنا نوصل – أحياناً – المفاهيم إلى أذهان الناس بطريقة طوباوية (خيالية بعيدة عن الواقع)، فيأتي الآخرون – ودون ضجيج – ليمحوا كلّ ما أوصلناه!،إنّها مشكلتنا الكبيرة حتّى الآن”.
ويجب ألا يدور المضمون التبليغيّ في فراغٍ وخارج زمانه،وكأنه مجرّدات عقلية لا صلة لها بحاجات المجتمع،فليتّخذ المبلِّغ الدينيّ مقتضيات الزمان معياراً لمطالعاته وخياراته،ويطابق خطابه معها,وعن هذا يبين الإمام(دام ظله):”ارجعوا وانظروا ما متطلّبات العصر؟،وما حاجات الناس؟.واستنبطوا ذلك من الشرع الإسلاميّ المقدّس..نضّجوه وهيّئوه،ثم قدّموه طازجاً للناس”.,فيما يخص متطلبات العصر يشير الإمام(دام ظله):”المبلّغ الواعي يدرك المتطلّبات الآنية ويشخّصها ويلبّيها وفق التكليف الدينيّ،فيبذل كلّ جهوده لكي لا يتخلّف عن أداء تكليفه في الإجابة عن تساؤلات العصر”.
وينبه الإمام(دام ظله) الى ضرورة الاستفادة من الظروف الزمانية والمكانية وإدراك متطلبات المرحلة إذ يقول:”الحكمة في أنّ المرء يؤدّي عمله في الظرف المناسب،وأن يعرف زمانه..حكمة هذا الرجل – الإمام الخمينيّ (قدس سره)- تجلّت في إدراكه الدائم لمتطلّبات كلّ لحظة.بالطبع فإنّ هذا الأمر مهمّ جدّاً،لأنّه يستدعي:إدراكاً واستعداداً،ونظراً ثاقباً،وشجاعة وشهامة..يعني أنّه يقوم بالعمل في الوقت الّذي لا يقدم فيه الآخرون على هذا العمل.
لا بدّ للمبلِّغ الدِّينيّ من معرفة الدِّين جيّداً ليبلِّغه للناس،متحاشياً الإفراط والتفريط.فلا يستند إلى جانب من الدِّين وينسى أبعاداً أخرى منه،فالدِّين في شكله الجامع أساس للسعادة الإنسانية.لكن الإفراط في التركيز على أحد أبعاد الدِّين يعكس صورة كاريكاتيرية ومزيّفة عنه وتترتّب مخاطر على الوضع الدِّينيّ للمجتمع.وقد أشار قائد الثورة (دام ظله) إلى الإفراط والتفريط في أحد أبعاد الدِّين بقوله:”عليكم مراعاة الاعتدال.والاعتدال يعني تفادي الإفراط في أيّ اتّجاه كان،فبعض الخطباء يفرّطون إمّا في الجهات الأخلاقية أو الجهات السياسية.لا فرق أيّاً كانت الجهة،فالإفراط مذموم في كلّ الأحوال. بالطبع أكثر ما يحتاج إليه الناس هو الأخلاقيّات،فنحن بحاجة إلى ثورة أخلاقية،لكن لا يكون الأمر بحيث إذا تناولنا القضايا الأخلاقية،أو قرأنا على الناس حديثاً،أغفلنا تماماً القضايا الراهنة والقضايا الثورية،وقضايا العالم،وقضايا الحياة..وكما ذكرت، فبعضٌ يرتقي المنبر، لكنّ السامع يظنّ أنّه لم تحدث ثورة في هذا البلد! هذا إفراط في جانب، والإفراط في الجانب السياسيّ خاطئ أيضاً، فبعضٌ يخصّص كلّ خطبته من بدايتها إلى نهايتها للأمور السياسية، ولا نجد عبارة في الأخلاق والنصيحة والتهذيب والأحكام”.
لا بدّ من مراعاة الأهمّ ثمّ المهمّ في مضمون الكلام،فلا نكتفي بصحّة الموضوع وحسنه،فالتبليغ يجب أن يتطابق مع الحاجات الفورية والأولية للمخاطبين.إذ على المبلِّغ الدِّينيّ أن يعدّ نفسه كالطبيب العالم والحكيم العاقل،فيتمعّن بعمق في مريضه ليشخّص داءه،ثم يصنّف أمراضه فيبدأ بعلاج الأمراض الخطيرة والمميتة،ولا ينشغل بالآلام الخفيفة والأمراض البسيطة وعن هذا يتحدث الإمام الخامنئي(دام ظله):”علينا أن نتحدّث بالأهمّ،فقد يكون الموضوع جيّداً جدّاً لكنّه غير مهمّ، إذا كان شخص بحاجة إلى من ينقذ حياته،فهل من الصحيح أن تحدّثوه – مثلاً – عن العناية بنظافة الفم والأسنان؟.إنّ نظافة الفم والأسنان أمر ضروريّ،لكنّ هذا الشخص يعاني من مرض قاتل.اهتمّوا بالقضايا ذات الأهمّية،والأهمّ هو الّذي يجب أن يقال”،”..عليكم أن تبحثوا عمّا يدور في ذهن الشباب من تساؤل بحيث إن لم تتّضح الإجابة عنه قد يؤدّي ذلك إلى الانحراف،ما هو هذا السؤال؟،عليكم أن تبحثوا عنه وتجدوه”.
لا بدّ للمبلِّغ الدينيّ من أن يعتمد أسلوب التحاور اللّين،ويتحاشى التكفير والاتّهام،إنّ تكفير الآخرين لا يحلّ المشاكل بل يكرّسها ويضاعفها،ويُضفي طابع المظلومية والبراءة على الأفكار المسمومة،فيضعها وسط هالة زائفة من القدسية فيتجمّع حولها الأنصار والمؤمنون بها.وللأسف كان لظهور وتنامي الفرق الضالّة في تاريخ بلدنا ارتباط بهذا النمط من التعامل، فكلّما حلّ التكفير محلّ المنطق وقعت مخاطر عظيمة.والتجربة التاريخية عبرة لمبلِّغينا. وعن هذا الأمر يبن الإمام الخامنئي(دام ظله):”لماذا استقرّت الأفكار الخاطئة للفرق الضالّة في عقول كثير من الناس ومازالت حتّى الآن؟، السبب يكمن في أنّ التعامل معها لم يكن منطقياً واستدلالياً،وإنّما كان تعاملاً فظّاً،وحسب” ثم يبين الإمام(دام ظله): “هذا التفكير ألالتقاطي موجود في مجتمعنا،إلاّ أنّ الردّ عليه ليس بالعصا، والشجار، والإبعاد، والتكفير، والتفسيق بل بالعمل الصحيح”.
ثم يؤكد الإمام(دام ظله) أهمية الحكومة الدينية قائلاً:”وتزداد أهمّية هذا الأمر في عصر الحكومة الدِّينيّة،ففي عصر الانزواء لم تكن أنظار العدو متوجّهة للحوزة مثلما هي الآن لأنّها كانت بعيدة عن الحكم،أمّا الآن فيوجد ارتباط وثيق بين الدِّين والحكومة،لذلك فإنّ تداعيات التكفير والتفسيق السيّئة ستبدو مضاعفة.في عصرنا هذا يمكن بسهولة اعتبار التكفير والتفسيق دليلاً على عدم منطقية الحكومة والدِّين،فيتمّ تصوير الدِّين القائم على الحكمة والمنطق على أنّه دين قمعيّ وإرهابيّ،الأمر الّذي يساعد على الانفصال عن الدِّين أو التشكيك في أركانه.الالتفات إلى هذه النقاط يقتضي من المبلِّغين أن يردّوا على الأفكار المنحرفة بالمنطق والنتاجات الفكرية الغزيرة”.




