أهمية السيرة النبوية

للسيرة النبوية أهمية خاصة عند المسلم، فهي إيمانٌ وعلمٌ ، وفقهٌ للرسول والرسالة ، وتعريفٌ له بنبيه الذي ينتمي اليه ، ويتقرب إلى ربه بالاقتداء به (صلى الله عليه وآله) .
وأشهر كتاب وصل الينا في السيرة ما عُرف بسيرة محمد بن إسحاق بن يسار ثم اختصره وغيَّرَ فيه عبد الملك بن هشام .وذكر في أوله أنه تارك من سيرة ابن إسحاق: « أشعاراً ذكرها لم أرَ أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها ، وأشياء بعضها يُشَنَّعُ الحديث به ، وبعضٌ يسوءُ بعض الناس ذكره » !
ومعناه أنه أراد كسب رضا العباسيين الذين ألف لهم كتابه ، والذين يزعمون أن جدهم العباس وارث النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ويزعم المنصور الدوانيقي أنه رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) في منامه : « وعقد له لواءً أسود وعممه بعمامة من ثلاثة وعشرين دوراً ، وأوصاه بأمته ، وقال له : خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة » !
فأصدر المنصور أمره للمسلمين بتدوين رؤياه وقال: «ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذهب، وتعلقوها في أعناق الصبيان»، على أن سيرة ابن إسحاق أيضاً فيها مشكلات، فقد غَيَّر فيها في مراحل حياته.
ويظهر أن نسخ هؤلاء الرواة فيها « تعديلات » ابن إسحاق على كتابه ، وأنه حذف منه كثيراً من مناقب أهل البيت « عليهم السلام » ، وما يمس بني أمية وبني عباس !ومن أمثلة ذلك حذف اسم العباس من أسرى بدر ، مع أنه متواتر ، وحذف ابن هشام لحديث الدار الذي نص على وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعلي (عليه السلام) ، عند نزول قوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ .
لذلك ، فإن القيمة العلمية لسيرة ابن هشام وابن إسحاق منخفضة ، وعلى الباحث فحص روايتها ، ومقارنتها بالروايات الأخرى .
كانت الخلافة تحرق مصادر السيرة، واتفقت المصادر على أن أول من صنف في السيرة : عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو قبطي : « هو أول من صنف في المغازي والسير » .
وقال في الشيعة وفنون الإسلام: «الفصل الثامن في تقدم الشيعة في علم السير ، فأول من وضعه عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، صنف في ذلك على عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) » . وكان أبوه أبو رافع مرجعاً : « كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول : ما صنع النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوم كذا ؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها ».
فأين هذا الكنز الثمين : كتاب ابن أبي رافع ؟ لقد أحرقته الحكومات ، ولا تعجب فقد كان الإحراق من صلب سياساتهم !
قال الزبير بن بكار، وهو من علماء السلطة: «قدم سليمان بن عبد الملك إلى مكة حاجاً سنة 82 ه – فأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومغازيه فقال له أبان : هي عندي قد أخذتها مصححةً ممن أثق به فأمر سليمان عشرة من الكتاب بنسخها فكتبوها في رَق ، فلما صارت إليه نظر ، فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين وفي بدر ، فقال : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل ! فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم ، وإما أن يكونوا ليس هكذا ! فقال أبان : أيها الأمير لا يمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحق ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا ! فقال سليمان : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين لعله يخالفه ، ثم أمر بالكتاب فحُرِق ! ورجع فأخبر أباه عبد الملك بن مروان بذلك الكتاب ، فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تَقْدِمْ بكتاب ليس لنا فيه فضل ، تُعَرِّف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها ! قال سليمان : فلذلك أمرت بتحريق ما نسخته » !
كنوزٌ من السيرة وعلوم الإسلام أحرقتها السلطة !
حرصت الحكومات القرشية على إحراق كتب شيعة أهل البيت «عليهم السلام» وإبادتها، ومع ذلك سلمت من نارهم ثروة كبيرة، تغطي كثيراً من فصول السيرة النبوية وليس كلها، ونراها أحياناً تستفيض بأوسع من السيرة الحكومية.
ويكفيك مثالاً على سياستهم في إبادة العلم: كُتب جابر بن يزيد الجعفي، وكُتب أحمد بن عقدة، وكُتب سليمان الأعمش، وهم علماء موثقون عندنا وعندهم ! فقد أحرقوا كتبهم أو فقدت من تلاميذهم في سنوات تشريدهم وتقتيلهم! وقد بلغت مؤلفاتهم نحو أربع مئة ألف حديث، أي مئتي مجلداً.



