ثقافة النصيحة وبناء الحاضنات الايجابية

مرتضى معاش..
بعد إتمام زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين، يطرح هذا السؤال، ماذا نستفيد أو استفدنا أو سيستفيد زوار الإمام الحسين (عليه السلام) من هذه الزيارة المقدسة؟.
من أهم الأمور التي لا بدَّ للزائر أن يستفيد منها، ويخرج بالكنز الكبير والثمين لهذه الزيارة، هي الاستقامة على نهج الإمام الحسين (عليه السلام) الذي خطّه لنا، من خلال تضحيته (وبذل مهجته فيك).
وأن يستمع الزائر إلى كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، وأن يستفيد من هذه السيرة العطرة ويغيّر حياته نحو الأحسن، وذلك بالاستقامة وطلب النصيحة، وطاعة الناصح.
وعن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): (من أتى قبر الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، أي لابدَّ أن يكون عارفاً بمعنى الإمامة ومفهومها، وما هي حقوق الإمام عليه، وكيف يجب أن يزور الإمام الحسين وهو عارف بحقه، معرفة حقيقية ومعرفة بحق الإمام نفسه، وبحق الإمامة حين يرى ويعرف مكانة الإمام الحسين (عليه السلام)، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا)، يرى مقام الحسين عند الله سبحانه وتعالى، ويستمع الى كلامه (عليه السلام) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الإصلاح ومكافحة الفساد، ويطبق كلامه (عليه السلام) من خلال التوبة الصحيحة، والمعرفة القائمة على الطاعة والعمل.
المعرفة هي الإدراك الجيد
العمل لا يكفي لوحده، بل لا بدَّ من المعرفة التي تؤدي بالإنسان إلى الطاعة والالتزام كما ذكرنا في موضوع طاعة الناصح، ولكن يوجد سؤال في هذه الرواية مرتبط ببحثنا هذا (وما تأخّر)، فما تقدّم معروف المعنى والمقصود منها ذنوب الماضي، حين يتوب الإنسان لله سبحانه وتعالى، عن الذنوب والمعاصي التي قام بها سابقا، فيغفرها الله تعالى له.
هناك إشكالان حول معنى (ما تأخّر) وقد أجاب العلماء عن ذلك، أنه كيف يغفر الله لذنب لم يقع في المستقبل، والإشكال الثاني هو ان هذا الكلام تحريض على الوقوع في الذنب بداعي المغفرة، لكن العلماء أجابوا عن هذين الإشكالين، أما نحن فنطرح الجواب هنا من خلال بحثنا فنقول:
أولا: إن التوبة عن المعاصي في حقيقتها تؤدي إلى التوبة الحقيقية، فهناك فرق بين التوبة الحقيقية والتوبة الرخوة أو التوبة الضعيفة أو التوبة المترددة، لا بدَّ أننا لاحظنا بعض الناس انه يصمم على التوبة، لكن يوجد في نفسه وذهنه خيط صغير في أنه يمكن أن يعود إلى هذا الشيء، فهذه ليست توبة حقيقية، وغير محصَّنة، بالنتيجة يقع في المعصية مرة أخرى في المستقبل.
لكن التوبة الحقيقية التي تنبع من تصميم الإنسان وعزمه، وإرادته واستقامته، تؤدي إلى تحصين الإنسان ووقايته من الوقوع في الذنوب والمعاصي، فالتحصين قد يكون هو معنى (ما تأخر)، وهذا يعبر عنه مفهوم التقوى، فالتقوى هي ملَكة تحصل نتيجة الممارسة المستمرة، حتى يصل الى مرحلة التحصين.
الحصانة بالتقوى
ان الزائر الذي يزور الإمام الحسين (عليه السلام) وهو مصمم على التوبة، بالنتيجة فإن الله سبحانه وتعالى يوفقه ويعطيه التوفيق على نياته، فيعصمه من الوقوع في المعصية من خلال المقدمات التي ذهب إليها، أو من خلال النتيجة العقلانية الموجودة في كل أمر، فلكل سبب مسبّب، فالإنسان الذي يتوب سوف تكون عنده حصانة ووقاية من الوقوع في هذا الأمر.
لكن عندما تكون الحاضنة حاضنة رسول الله “صلى الله عليه وآله”، وأمير المؤمنين والإمام الحسين وأهل البيت (عليهم السلام) فإنها تحصّن الإنسان من الوقوع في الذنوب والانحرافات، لذلك فقوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا)، تعني فتحنا لك وأسقطنا كل الأصنام والأوثان التي تؤدي للوقوع في الذنوب.
فمعنى الفتح هو الانتصار في تحصيل التحصين بحاضنات الاستغفار، (ليغفر الله ما تقدم وما تأخر)، تعني يغفر الله عن الأمة، ويحصّنها من الوقوع في الذنوب من خلال بناء الحاضنة الجيدة، وتحطيم الحاضنات السيئة التي قامت على الفساد والافساد، وهذا الأمر يرتبط بمجتمعاتنا، وكيفية بناء حاضنات جيدة في مدارسنا وأسرنا، حتى لا يقع أبناؤنا في الانحراف والمعاصي.
فهذه الزيارات المقدسة ومنها زيارة الأربعين، هي حاضنات رائعة وممتازة لبناء الإنسان من خلال بناء سد أمام توغل المعاصي ومحاصرتها.
حقوق الناصح على المنصوح
ذكرنا في المقال السابق، ما هي طاعة الناصح؟ ونتائج طاعة الناصح، ووصلنا إلى رسالة الحقوق، التي تطرح حقوق الناصح بالنسبة للمنصوح، فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): (وحق الناصح أن تلين له جناحك وتصغي إليه بسمعك، فإن أتى الصواب حمدت الله عز وجل، وإن لم يوافق رحمته، ولم تتهمه وعلمت أنه أخطأ، ولم تؤاخذه بذلك إلا أن يكون مستحقا للتهمة، فلا تعبأ بشيء من أمره على حال) فما هي حقوق الناصح؟.
لذلك على الإنسان أن يلين نفسه، ولا يقفل قلبه، ولا يسد أبواب تفكيره، بل يجعل قلبه مفتوحاً للاستماع للآخرين، يصغي إليهم، ليفهم الدنيا من جوانب متعددة وزوايا مختلفة، فالإنسان العاقل هو الذي يستطيع أن يفهم الدنيا من خلال حسن الاستماع، وعمق الإصغاء فتخترق أفكاره أعماق الحياة.
أما إذا أقفل قلبه عن كل شيء فسوف يخسر الكثير، لذا بعض الناس بمجرد أن تتكلم معه وقبل أن تكمل كلامك يقول لك، كلا، في كل شيء، فلا تقل لا، اصبر قليلا، واستمع لكل الكلام ثم تمحّص وفكر بالمعاني، في بعض الأحيان ربما لا تدرك النصيحة في وقت قولها لك، لكنها قد تفيدك في زمن معين عندما يذكّرك وعيك في لحظة معينة تكون بأمس الحاجة لفهم تلك اللحظة فهماً واضحاً.



