اخر الأخباراوراق المراقب

قبول النصيحة والمستحيل الاجتماعي

مرتضى معاش..

“وحق الناصح أن تلين له جناحك وتصغي إليه بسمعك”.. عندما يأتي الزائر الكريم إلى كربلاء المقدسة، فإنه أولا يحصل على الثواب العظيم، وازدياد نفحات الإيمان في قلبه ونفسه، فالزيارة هي حالة تطهير للزائر من ذنوبه ومعاصيه وبناء للذات، وتزكية لاستكمال وترقي الفضائل في داخله، ولكي تكتمل هذه الهدية العظيمة التي ينالها الزائر، لا بدَّ أن يأخذ كلمة أو فكرة ويجعلها برنامجاً في ذهنه لكي يعمل بها، فيحدث التطور في حياته العملية بالإضافة إلى حياته الصحية والنفسية والإيمانية، حتى يحصل التقدم في حياته.

فإن المراد من (ومنح النصيحة) نشر النصيحة في هذه الأمة، التي تعني تغيير الإنسان، فالهدف من زيارة الزائر هو السعي للتغيير الإيجابي والتقدمي في حياته، عن طريق البرمجة الفكرية والذهنية التي تحصل عبر نصيحة معينة، فيعود من الزيارة وهو ممتلئ بالكنوز الثمينة، والكبيرة التي يستثمرها في حياته، في هذا العام وفي الأعوام المقبلة.

النصيحة في مواجهة الأزمات

ولكن لا يمكن للنصيحة ان تتحقق إلا بوجود عنصر مهم جدا وهو قبول النصيحة، فهناك البعض لا يستمع للنصيحة أصلاً، بل يعتبر المنصوح عندما تنصحه بأن هذه النصيحة إهانة له وتحط من قدره، فلا يقبل النقد ولا يقبل النصيحة، ولا يقبل أي نوع من التوجيه، بعض الناس تراهُ على خجل يستمع إليك، لكنه في قرارة قلبه، تجده لا يقبل النصيحة ولا يستمع لها.

وأكثر الناس هكذا لا يقبلون النصيحة، ولذلك تجد حياتهم ممتلئة بالمشاكل، ولو أنهم قبلوا بالنصيحة، كان يمكن ان تحَلّ مشاكلهم، وبالتالي أن يصلوا إلى مراتب جيدة في الحياة، والروايات الشريفة تؤكد أهمية طاعة الناصح.

فعليك أن تستمع للناصح ثم تطيعه إن كانت النصيحة جيدة، ولا تقل له كلا، ومع ذلك هناك ناس لا تقبل أي شيء، ولو كان على الأقل الاستماع الحقيقي الى النصيحة بتواضع، وعن الإمام علي (عليه السلام) في كلام له: (لا خير في قوم ليسوا بناصحين ولا يحبون الناصحين)، فالمجتمع الذي لا تصبح النصيحة فيه سلوكاً رائجاً يختفي فيه الخير ويمتلئ بالمنافقين المتلوّنين، حيث يروّج الكذب والتصنّع بدل النصيحة.

وكذلك يصبح هذا المجتمع ممتلئاً بالمشاكل، والمشاكل الزوجية أمامنا مثلا حيث كلا الطرفين لا يقبلان بالنصيحة، ولا أن ينصحهما ناصح يدلّهما على أخطائهما ويخفف من غلوائهما، لكن تأخذهما العزة بالإثم ويتحكم بهما جبروت الشيطان ويزدادان صلابة وتحجرا في مواقفهما، لذا ترى أن هذا النوع من الناس لا خير فيه، وتجده غارقا دائما في مختلف الأزمات والمشاكل، بعيدا عن الهدوء والسلام، بل تتموج به الصراعات والخلافات من هنا وهناك.

الأهواء عدو النصيحة

إن عدم إطاعة الناصح تكشف عن نفس الإنسان وأهوائه، فهذه النفس عجيب غريب أمرها عندما لا يطهّرها الانسان ولا يزكيها، فتصبح مزاجية، تتبع الأهواء وتمتلئ بالرذائل، فالهوى هو الذي يوقع بالإنسان، لذلك هو عكس النصيحة، فالنصيحة تأتي من العقل، والهوى يأتي من النفس المريضة.

وجاء في زيارة الأربعين المخصوصة هذه العبارة: (وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا وَباعَ حَظَّهُ بِالاَرْذَلِ الاَدْنى وَشَرى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الاَوْكَسِ وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّى فِي هَواهُ)، وهي تعبير عن الآية القرآنية: (فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) طه 16. وكذلك دلالة على التغطرس الذي يعيش فيه المغرورون بالدنيا وقد أصبحوا في أدنى درجات التسافل والانحطاط عندما لم يستمعوا الى النصيحة.

وعن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (من ملكه الهوى لم يقبل من نصوح نصحا)، فهو لا يقبل النصح، لأن هوى نفسه تسيطر عليه، وكما يُقال في علم النفس لديه نرجسية، فيتعلق بنفسه ويحبها حباً أعمى، لذلك فإن أغلب الناس الذين يقعون في المشكلات والضلال والانحراف، لأنهم لا يستمعون، ولو استمعوا ولم يغلقوا آذانهم ولا قلوبهم لأصبحوا في الطريق الصحيح.

وهذا ما عبّر عنه الإمام علي (عليه السلام) بقوله: (طوبى لمن أطاع ناصحاً يهديه، وتجنب غاوياً يرديه)، فلأنه لم يستمع لنصيحة ذلك الناصح، فإنه سوف يقع حبال الغاوي الذي يغويه ويسقطه في الضلال والأزمات والمشكلات.

وأغلب الناس يعتبرون أنك إذا تكلمت معهم عن الدين، فإنك تمارس عملية الموعظة لهم، وبعض الناس لا يقبل تتكلم له عن الأحكام الشرعية، أو القضايا الدينية، فهو يجادلك ولا يقبل النصيحة في الدين، ولا يقتنع ولا يستمع، وأيضا لا يطيع حين تنصحه ببعض الأمور الأخلاقية والدينية.

وعن الإمام علي (عليه السلام) حيث يقول: (عليك بطاعة من يأمرك بالدين فإنه يهديك وينجيك)، ففي الهداية النجاة، وكثيرا ما أفكر في هذه القضية، لماذا بعض الناس يرون أو يعتقدون بأن الدين يقف عائقا أمامهم، لماذا يعتبر الدين والالتزام بالأحكام الشرعية شيئا ثقيلا عليه؟.

الالتزام ببعض الأحكام الشرعية، ورفض البعض الآخر، هذا غير صحيح، وهذا يعني بأن الإنسان قد وقع في الضلالة، إنه سقوط حتمي، لأن الأحكام الشرعية واحدة ولا يمكن أن تُجزَّأ، لذلك فإن الإنسان الذي يتعظ ويقبل نصيحة الناصح في الدين يكسب النجاة في حياته ويتجنب الوقوع في الانحراف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى