اخر الأخبار

تحرير الأرض أم تطهير العقول ؟!

لم تكن عملية تحرير الفلوجة أمراً سهلاً, على الرغم من ان المعركة قد حسمت, عندما تم تحرير عشرات الاقضية والنواحي المحيطة بها، ثم الوصول الى أطراف أحياء المدينة من محاورها المختلفة، فهذه المدينة تعد القاعدة الأولى لعصابات داعش, وغرفة العمليات المتقدمة, التي كانت تدار منها مؤامرة تهديد العاصمة بغداد, والتي كانت تتحيّن الفرصة, للانقضاض على النظام السياسي فيها والسيطرة عليه, وهذا ما أدركته قيادات التنظيمات المسلحة داخل المدينة، والتي عمدت من خلال ارتباطاتها السياسية, وعلاقاتها مع الدول الإقليمية, وخصوصاً السعودية وقطر والامارات, الى شن حملة واسعة النطاق, من أجل عرقلة المرحلة الأخيرة من العملية, وتأخيرها بأي شكل من الأشكال, ليتسنى لهم إكمال ترتيبات الهروب من المدينة، فهم على دراية كبيرة بطبيعة القوات التي تحاصرهم، مما يجعل المراهنة على قدرتهم على الصمود, أو محاولة ايصال المساعدات اليهم, لإبقاء زخم المعركة طويلا, ومنع اية هزيمة يمكن ان تسجل نصراً للشيعة, وفصائلهم المقاومة وحشدهم الشعبي, يعد أمرا مستحيلا، وبعد ان ايقنوا انهم لم يعد لديهم الوقت الكافي, لإعادة كفة المعركة لصالحهم, أعطيت الأوامر للهروب من المدينة, من خلال اختلاق أزمة معاناة المدنيين داخلها, وضرورة إنقاذهم وإخراجهم منها، وهذا ما حصل, وتسربت القيادات الكبيرة مع جموع النازحين, وبعد ان هدأت عاصفة الرحمة والعطف على المدنيين, بدأت عاصفة الموت, على من تبقى من الإرهابيين في المدينة, وأكثر من بقي هم من الجنسيات السعودية والعربية والأجنبية, من الذين تقطعت بهم الأسباب, حتى تحولوا الى طعام للكلاب السائبة, بعد اصطيادهم من قبل القوات العراقية.
الفلوجة تحررت من اغتصاب عصابات داعش, ولكنها بحاجة الى تطهير, فالرحم الذي أنجب من سفاح هذه التنظيمات التكفيرية الإرهابية, يمكن ان ينجب من سفاح اخر, تنظيمات جديدة بأسماء وعناوين مختلفة, لا تقل خطورة وشراسة عن داعش, ومن الضروري ان تقع مهمة التطهير الداخلي, على عاتق أبنائها الشرفاء, ممن يعي حقيقة أهداف هذه التنظيمات, التي تريد تدمير العراق, وخلق الفتن الطائفية بين مكوناته, خدمة لأجندات خارجية.
تحرير أرض الفلوجة بحاجة الى تحرير العقول المريضة, التي لا تفهم لغة العيش المشترك, بين اخوة الوطن الواحد, والتي عششت في هذه المدينة, منذ ان دخلتها أمراض الوهابية السعودية, التي عمل النظام السابق, على نشرها قبل انهياره, ليتخذها أداة لمحاربة الشيعة, انتقاماً من وقوفهم ضد سياساته الطائفية, وخصوصاً بعد الانتفاضة الشعبانية, وعلى الحكومة العراقية دعم هذه العشائر الشريفة, في الانبار عموماً والفلوجة على وجه الخصوص, ليأخذوا دورهم في قيادة المحافظة, حتى لا تقع مرة أخرى فريسة لشذاذ الآفاق, والمرتزقة والعملاء والخونة, الذين لا يهمهم مصير أبناء جلدتهم ولا محافظاتهم, قدر اهتمامهم بمصالحهم الشخصية والحزبية.
المرحلة القادمة هي الأصعب, لأننا أمام أجندات يراد لها ان تتحقق, ومخططات يراد لها ان تنجز, وهذا ما لا يمكن افشاله ومنع تحقيقه, وتفويت الفرصة على داعميه, إلا بوحدتنا الوطنية, وإذا كان تحرير الفلوجة, قد اسقط غرفة عمليات, كانت تديرها في هذه المدينة, أجهزة مخابرات إقليمية ودولية, فإنها ستفتح علينا غرف عمليات من نوع آخر, وتحديات لا تقل خطورة عن مرحلة داعش, وهذا ما ينبغي الاستعداد لمواجهة تداعياته, حتى لا نفرط بالإنجازات العسكرية التي تحققت, ولكي يكون ثمن دماء الشهداء وتضحياتهم بقاء العراق موحداً, فذلك الذي سيوجه الصفعة الأكبر لمن صنع داعش وموّلها, أو يعمل لصناعة بديل لها.

محمد محي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى