زيارة الأربعين والارتقاء ببناء النظام

مرتضى معاش..
“أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ”.
ذكرنا سابقا بأن التعاون هو نصرة للإمام الحسين (عليه السلام)، والتطبيق العملي لمفهوم التعاون هو إقامة النظام، لأن إقامة النظام، يؤدي إلى إقامة الحق، وبالتالي فإن إحياء زيارة الأربعين، هو إحياء لنموذج عظيم يصبح قدوة في كل مكان وزمان.
وصية عظيمة لكل الأمة
وقد أوصى الإمام علي (عليه السلام) وصية عظيمة لكل الأمة، لتكون منهاجاً لها حيث قال (عليه السلام) في وصيته للحسن والحسين (عليهما السلام) لما ضربه ابن ملجم لعنه الله: (أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ).
فجاء النظام في مقدمة الوصية في ذلك الحال الصعب الذي كان يعيشه الإمام (عليه السلام). وقد قدم هذه الوصية لولديه ولأهله ولولده ولكل من يبلغه هذا الكتاب، أي لكل الأمة، وحين يصل هذا الكتاب إلى كل شخص فواجب عليه أن يبلغ الآخرين به، لأن هذه الثلاثية (تقوى الله ونظم الأمر وصلاح ذات البين) تعتمد عليها نهضة الأمة ومصيرها.
التقوى لإصلاح ذات البين
فمن خلال تقوى الله، يستطيع الإنسان أن ينظم أمره، وعندما ينظم أمره سوف يصلح ذات بينه، ويكون متفقا ومتعاونا مع الآخرين، لذلك فإن تقوى الله تؤدي إلى إصلاح ذات البين، والنظام يؤدي إلى تقوى الله، فهذه الثلاثية مترابطة، ولا بدَّ من إيجاد الترابط بينها من خلال العمل بها.
فالزائر عندما يأتي اليوم إلى مدينة كربلاء، لابدَّ أن يلاحظ هذه الثلاثية، تقوى الله، بأن يقي نفسه من الوقوع في الحرام والشبهات والأخطاء، ويقي أهله ومجتمعه وأمته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وينشرها في كل الدوائر المتعددة في المجتمع، فهذه الثلاثية هي في الواقع تمثل مفاتيح الحياة والنهضة للأمة.
ويوصي الإمام بذلك، لأنه يعرف بأن أولئك الظَلَمة والطواغيت من بني أمية، وبني العباس، وما يلحقهم من حكومات مستبدة وظالمة، هدفهم تشتيت الأمة ونشر الفوضى من أجل السلطة والمتعة واللذة ونهب الأمة ونشر الفساد والانحراف، لذلك فإن هذه الثلاثية أساسية في عملية بناء تماسك الأمة، وبالنتيجة نجاح الأمة في أن تكون متقدمة، (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ…).
النظام يجمع الأمة في قناة واحدة
ولا بدَّ أن نطبق هذه الثلاثية في زيارة الأربعين، فالتقوى تؤدي الى النظام، والنظام يؤدي الى الصلاح ودرء الخلافات، وجمع الأمة في قناة واحدة يجعلها قوية ومنيعة، لذلك فإن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام) لأن العبادة لا تكفي، بل هي مكمّلة، أي هناك تكامل بين أمور متعددة، فلا يفيد الإنسان اذا كانت لديه عبادة وليست لديه تقوى، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) والعبادة تكون مع النظام فلا عبادة مع الفوضى، كما ان العبادة تتحقق مع صلاح ذات البين فلا عبادة لمن هو مستغرق في الصراعات والنزاعات، فالقيم والسلوكيات أمور متكاملة مترابطة تؤدي إلى نتيجة واحدة.
وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام): (الورع نظام العبادة، فإذا انقطع ذهبت الديانة، كما إذا انقطع السلك أتبعه النظام).
وعن الإمام علي (عليه السلام): (أيسرّك أن تكون من حزب الله الغالبين؟ اتقِ الله سبحانه وأحسن في كل أمورك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع)، و(عليكم بالورع، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بالورع)، و(لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه).
لذلك فإن الإنسان الذي يعبد الله كثيرا، وليست لديه تقوى ولم ينظم أمره، ولم يصلح ذات البين، فإنه بالنتيجة يوجد هناك خلل في عبادته، لان هذه العبادة لا جدوى فيها وغير مؤثرة على الواقع الفردي والاجتماعي، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
لذلك لا بدّ من الاستفادة من النظام للارتقاء بهذه المناسبة العظيمة، بأن نأخذ العبر من الدروس دائما، فنحن في حاجة مستمرة للنظام بسبب الترابط الشديد بين الناس، حيث تكون للنظام قيمة حقيقية في هذا التجمع، فإذا أردنا أن نطبق النظام القائم على المبادئ، وعلى صلاح ذات البين وعلى التقوى وعلى الترابط الديني والإسلامي، لا بدَّ أن نراعي مجموعة نقاط وهي:
أولا: الوعي بأهمية النظام
لا بدَّ أن يكون هناك وعي بأهمية النظام في جعل زيارة الأربعين أنموذجا راقيا، ومثالا حضاريا يُقتدى به في كل الأمم، فالمسلم المؤمن الحقيقي يجب أن يكون أنموذجا ومثالا، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): (كونوا لنا دعاة صامتين.. فإذا رأى الناس ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فسارعوا إليه) أي بالتطبيق العملي.
فهذه دعوة لتطبيق النظام بصورة صحيحة وسليمة، وبناء نموذج يجسد مشروع أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك فإن هذه الزيارة بمثابة امتحان للمؤمنين في كيفية تشكيل وعي بأهمية النظام.



