اخر الأخباراوراق المراقب

آثار البكاء من خشية اللّه

للبكاء من خشية الله سبحانه وتعالى آثار متعددة لا يمكن حصرها بأمر معين، وغالبا ما يكون هذا البكاء بالتناغم مع تنفيذ العبد المؤمن لحلال الله وحرامه.

1ـ ما يكشف عنه البكاء:

إنّ البكاء يكشف عن التحوّل العظيم في نفس الباكي، والتفاعل الكامل مع الله سبحانه وتعالى ومع أوامره ونواهيه، وتجلّي عظمته تعالى في قلب الباكي وخشوعه له. ومن هنا يكون البكاء ـ أيضاً ـ كاشفاً عن مستوىً عالٍ من الندم على المعاصي، وموجباً لغفران الذنوب، كما ورد في الحديث عن الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، عن الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ الرجل ليكون بينه وبين الجنّة أكثر ممّا بين الثرى إلى العرش، لكثرة ذنوبه، فما هو إلاّ أن يبكي من خشية الله عزّ وجلّ ـ ندماً عليها حتّى يصير بينه وبينها أقرب من جفنه إلى مُقلته.

ولا يعني ذلك أنّه ينفي سائر شرائط التوبة، بل كأنّه ينظر إلى أنّ البكاء لو كان مرتبطاً بالندم ارتباطاً حقيقيّاً فهو يُلازم تحقّق باقي شرائط التوبة.

فعندما تحصل حالة البكاء عند الإنسان عليه استثمارها في سبيل تربية النفس وتزكيتها وتنميتها، وذلك عن طريق أن يفرض الشخص على نفسه في تلك الحالة ما يشاء من ترك المذموم من الخصال أو الأفعال، أو الالتزام بالممدوح من الخصال أو الأفعال، فإنّ النفس تقبل منه هذا التحميل في تلك الساعة التي هي ساعة الصفاء وساعة الانفتاح على العالَم العلويّ، في حين أنّه لو أراد الإنسان أن يأخذ على نفسه التزاماً من هذا القبيل في أيّ ساعة أُخرى ربما لا تُعطيه نفسه ذلك ولا تطاوعه.

2ـ الاقتراب من الله:

إنّ ما يترتّب على البكاء من الاقتراب العاطفيّ الكبير من الله جلّت عظمته، وخَرق حُجُب النفس ممّا يؤدّي إلى تركّز التفاعل مع الله في النفس أكثر من ذي قبل، ولذا ينبغي للباكي أن يغتنم فرصة تلك الحالة الذهبيّة الّتي حصلت له في تهذيب نفسه وتزكيتها، فإنّ هذه الفرصة لا تحصل في أيّ وقت شاء.

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: قال: “ما من شيء إلاّ وله كيل ووزن، إلاّ الدموع، فإنّ القطرة تُطفئ بحاراً من نار، فإذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق وجهه قترٌ ولا ذلّة، فإذا فاضت حرّمها الله على النار، ولو أنّ باكياً بكى في أُمّة لرُحموا.

وعن الإمام الرضا عليه السلام في حديث صحيح السند قال: “كان فيما ناجى الله به موسى عليه السلام أنّه ما تقرّب إليّ المتقرّبون بمثل البكاء من خشيتي، وما تعبّد لي المتعبّدون بمثل الورع عن محارمي، ولا تزيّن لي المتزيّنون بمثل الزهد في الدنيا عمّا يهمّ الغنى عنه. فقال موسى عليه السلام: يا أكرم الأكرمين: فما أثبتَهم على ذلك؟ فقال: يا موسى، أمّا المتقرّبون لي بالبكاء من خشيتي فهم في الرفيق الأعلى لا يشاركهم فيه أحد، وأمّا المتعبّدون لي بالورع عن محارمي فإنّي أُفتّش الناس عن أعمالهم، ولا أُفتّشهم حياءً منهم، وأمّا المتزيّنون لي بالزهد في الدنيا فإنّي أبيحهم الجنّة بحذافيرها يتبوّأون منها حيث يشاءون.

هذا، والبكاء ليس نتيجة الحزن فحسب، بل يكون نتيجة بعض الصفات والحالات الأُخرى أيضاً كالخوف والخشوع، قال الله تعالى: “قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى