الإمام زين العابدين (ع) في مواجهة الانحراف

عاش الإمام زين العابدين (عليه السلام) أقسى فترة من الفترات التي مرّت على القادة من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّه عاصر قمّة الانحراف الذي بدأ بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
وذلك أنّ الانحراف في زمن الإمام زين العابدين (عليه السلام) قد أخذ شكلاً صريحاً، لا على مستوى المضمون فقط بل على مستوى الشعارات المطروحة أيضاً من قبل الحكّام في مجال العمل والتنفيذ، وانكشف واقع الحكّام لدى الجماهير المسلمة بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ولم يبقَ ما يستر عورة حكمهم أمام الأمة التي خبرت واقعهم وحقيقتهم المزرية.
وقد عاصر الإمام (عليه السلام) كلّ المحن والبلايا التي وقعت أيّام جدّه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إذ ولد قبل استشهاد الإمام علي (عليه السلام) وتفتحت عيناه وجَدّه (عليه السلام) في محنته في خط الجهاد مع الناكثين والقاسطين والمارقين، ومن ثمّ عاش مع عمّه الإمام الحسن (عليه السلام) في محنته مع معاوية وعُمّالهِ وعملائه، ومع أبيه الحسين (عليه السلام) وهو في محنته الفاجعة إلى أن استقلّ بالمحنة وجهاً لوجه، وقد وصلت به المحنة ذروتها عندما رأى جيوش بني أمية تدخل مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في المدينة وتربط خيولها في المسجد، هذا المسجد الذي كان منطلقاً للرسالة وأفكارها إلى العالم أجمع، وقد أصاب هذا المسجد في عهد الإمام زين العابدين (عليه السلام) كثير من الذلّ والهوان على يد الجيش الأموي الذي أباح المدينة والمسجد معاً، وهتك حرمات النبي (صلَّى الله عليه وآله) فيهما جميعاً.
وكان القتل هو أبسط الوسائل التي استعملت في ذلك العصر مع المعارضين، إذ كان التمثيل الانتقامي والصلب على الأشجار وتقطيع الأيدي والأرجل وألوان العقاب البدني لغة الحديث اليومي.
وانغمس الأمويون في الترف، وقد ذكر المؤرّخون نوادر كثيرة من ترفهم وتلاعبهم باقتصاد الأمة وثرواتها حتى بالغوا في هباتهم للشعراء وأجزلوا العطاء للمغنّين، وسادت حياة اللهو والعبث والمجون في كثير من أنحاء العالم الإسلامي وخصوصاً في مكّة والمدينة، وعمدت السلطات الأموية إلى إشاعة ذلك فيهما لإسقاط هيبتهما من نفوس المسلمين.
لقد شاع الغناء في مدينة الرسول (صلَّى الله عليه وآله) بشكل يندى له جبين الإنسان المؤمن بالله وبرسوله، حتى صارت مركزاً له.
أمّا الحياة العلمية في عصر الإمام زين العابدين (عليه السلام) فقد كانت مشلولةً بما حوته هذه الكلمة من معنى، إذ كان الخط السياسي الذي سارت عليه الدولة الأموية منذ تأسيسها يرتكز على مجافاة العلم، وإقصاء الوعي والثقافة من حياة المسلمين، وجرّهم إلى منحدر سحيق من الجهل، لأنّ بلورة الوعي العام وإشاعة العلم بين المسلمين كان يهدّد مصالحهم ودوام ملكهم القائم على استغلال الجهل والغفلة التي روّج لها من تقمّص الخلافة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).
أمّا الطابع الخاصّ للحياة الأدبية فتعرفه ممّا جرى على لسان شعراء ذلك العصر، فهو لم يمثّل أيّة مشكلة اجتماعية من مشاكل ذلك العصر على كثرتها، كما أنّه لم يمثّل أيّ جدٍّ في الحياة العقلية والأدبية، وإنّما كان شعراً قَبَليّاً يحكي فيه كلّ شاعر ما امتازت به قبيلته من كرم الضيافة ووفرة المال والعدد، كما غدا الأدب سوقاً للهجاء المرّ والتنابز بالألقاب.
نجد في سيرة الأئمّة (عليهم السلام) العديد من الأدلّة التي أوضحوا من خلالها للناس سبب الاختلاف في أساليبهم في قيادة الحركة الإسلامية من إمام لآخر.
فالإمام السجاد (عليه السلام) قال له عبّاد البصري وهو في طريق مكّة: تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحجّ ولينه، و(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) فأجابه الإمام (عليه السلام): اقرأ بعدها: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، ثمّ قال (عليه السلام): إذا ظهر هؤلاء ـ يعني المؤمنين حسب مواصفاتهم في الآية ـ لم نؤثر على الجهاد شيئاً.
وبهذه الإجابة حدّد الإمام (عليه السلام) بشكل صارم سياسته ولون كفاحه، ووجهة حركته في عصره، ومن ثمّ الأسباب الموجبة لذلك المسار، فإنّ عدوله عن الكفاح المسلّح والمواجهة العسكرية للحكم الأموي لم تأتِ حبّاً في الحياة ونعيمها كما تصوّر عبّاد البصري، وإنّما جاء ذلك لأنّ مستلزمات العمل العسكري الناجح غير متوفرة، ولأنّ النتائج من أيّ تحدٍّ للسلطان في تلك الظروف تكون عكسيّةً تماماً.
وبعد ملحمة كربلاء مباشرةً تبنّى الإمام السجاد (عليه السلام) سياسة إسقاط الأقنعة التي كان الأمويون قد غطّوا وجوه سياستهم الكالحة الخطيرة بها، وحمّلوا الأمة كذلك مسؤوليتها التاريخية أمام الله والرسالة.
ومن هنا نلاحظ بوضوح، أنّ الخطب والتصريحات التي صدرت عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) وعقائل أهل البيت (عليهم السلام) في العراق قد انصبّت على مخاطبة ضمائر الناس كمجموع، وإلفات نظر الناس إلى جسامة الخطر الذي حاق بهم، وإلى حجم الجريمة التي ارتكبتها بنو أمية بحقّ رسالة الله تعالى.
وفي الشام ركّزت كلمات الإمام السجّاد (عليه السلام) على التعريف بالسبايا ذاتهم، وأنّهم آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، ثمّ فضح الحكم الأموي وتعريته أمام أهل الشام الذين أضلّهم عن رؤية الواقع.
وقبل دخوله المدينة عمل الإمام السجاد (عليه السلام) على إثارة الرأي والوعي العام الإسلامي وتوجيهه إلى محنة الرسالة التي تمثّلت في فاجعة الطفّ، فقد كان خطابه الذي ألقاه بالناس يستبطن هذه المعاني.



