شقاوات بغداد.. صورة تراثية

الاشقياءُ الذين ظهروا خلال العهد العثماني كثيرون منهم من قضى نحبه قتيلاً ومنهم من لاقى حتفه طريداً ومن الاسباب الاساسية التي ادت الى ظهور شقاوات بغداد تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية والاضطهاد المستمر والقساوة التي كان يمارسها المحتل ضد ابناء شعبنا المظلوم مما دفع البعض الى شق عصا الطاعة والنظر الى الحكومة المحتلة بعين الازدراء والاحتقار وكان الشقي احمد قرداش احد هؤلاء من الذين تمردوا على النظام والقانون وقاموا في الوقت نفسه بحماية اهالي منطقتهم من الغرباء واللصوص.ومن اجل معرفة هذا الشقي الجسور الابي التقينا الباحث التراثي الحاج محمد الخشالي صاحب مقهى الشابندر الذي عايش اولاد احمد قرداش كل من شهاب ومحمود حيث حدثنا عن احمد قرداش قائلاً: شقاوة بغداد كلمة اصطلاحية بغدادية مشتقة من قول الشاعر الكبير المتنبي:
ذو العقل يشقى بالنعيم بعقله
وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم
فالبارز بقوته الجسيمة وحضوره المهيب في منطقة ما ويقوم بحماية اهالي منطقته فقد تحصل بين المحلات الشعبية في بغداد القديمة مشاجرات وعراك يبرز فيها اشخاص يكونون هم اسياد الموقف في القوة (المرجلة) فهؤلاء اكثر ما يكون مكسبهم من الجار لحمايتهم.ففي منطقة باب المعظم التي تضم محلات الحيدر خانة والطوب والفضل برزت عائلة احمد قرداش هذا الرجل من اهالي كركوك جاء الى بغداد وسكن فيها خلال عام 1870 وتزوج من امراة بغدادية انجبت له ثلاثة اولاد هم شهاب ومحمود وعباس وقد عرف بشقاوته وجسارته وبمواقف انسانية ابية تتمثل في مساعدة الضعفاء والفقراء والمحتاجين والارامل والوقوف بوجه الغرباء والمعتدين الذين يرومون الاعتداء على اهالي منطقته.
ومن الحكايات الطريفة المعروفة عن هذا الشقي انه ذات يوم من ايام الصيف الحار سطا احمد قرداش وجماعته على دار احد التجار اليهود وكان الوقت ليلاً والتاجر اليهودي ينام وزوجته على سطح الدار فصعد احمد الى سطح الدار فوجد بالقرب من سرير نوم اليهودي سلة خوص تغطي قدرين صغيرين فيهما رز وبامية مطبوخة فاشتهى ان ياكل حتى شبع من ذلك ثم شرب الماء من الكوز التنكة الموضوعة على سياج السطح بعدها نزل مسرعاً الى جماعته فوجدهم يجمعون المواد والاشياء التي يريدون اخذها فامرهم بترك كل شيء وارجاعه الى مكانه وقال لهم انني اكلت من هذه الدار وصار بيننا زاد وملح وهذا في شريعتنا وعرفنا حرام علينا ان لانمد يدنا على اي شيء يعود لهذه الدار لاننا صحيح شقاوات ولانهاب احداً الا اننا لاننسى مخافة الله اولاً ثم الاصول والعادات النبيلة التي تربينا عليها واذا خالف احد منكم امري فانني سوف اقتله بهذا الخنجر فاطاع جماعته امره وتركوا الاشياء والمواد وخرجوا من الدار.
ويضيف الحاج الخشالي اما عن اولاد احمد قرداش فالاول شهاب الذي كان من شقاوات بغداد في الاربعينيات فقد اعدم نتيجة قيامه بقتل احد عناصر الشرطة التي اصطدمت معه اما الثاني محمود فهو رجل رياضي بطل في لعبة رفع الاثقال حيث كان يمارسها في زورخانه الحيدر خانه مقابل مقهى حسن عجمي ومن صفات هذا الرجل الذي كان صديقي المقرب انه لايعتدي على الناس وكان خلوقاً يحترم من يحترمه ففي احدى الليالي وفي ملهى بغداد تشاجر مع صباح ابن رئيس الوزراء نوري سعيد حيث قام الاخير بسبه وضربه وتبادلا اللكمات وكان صباح قوي البنية وعلى اثر ذلك تدخلت الشرطة واندفعت مفارزها لتلقي القبض على محمود قرادش وايداعه التوقيف وفي صباح اليوم التالي اخبر نوري سعيد بالموضوع فامر صباح ان يتنازل عن الشكوى واطلاق سراح محمود فوراً لان نوري سعيد بغدادي وينظر للامور بمنظار واسع ويعدّ صباح ومحمود على حد سواء من حيث التصرف والاخلاق! بعدئذ اتهم محمود بجريمة قتل المدعو جبر ابو الباجة وهو بريء منها وحكم عليه بالسجن 20 سنة قضى ثلاث سنوات منها ثم اطلق سراحه بعد القاء القبض على المجرم الحقيقي بعدها عين سائقاً في مديرية اطفاء بغداد حيث قام بتعيينه المرحوم ابراهيم شندل مدير اطفاء بغداد انذاك واستمر بالخدمة حتى احالته إلى التقاعد.المفيد في هذا الموضوع ابراز قوة القيم والعادات الايجابية السائدة في مجتمعنا العراقي انذاك فحتى الشقاوات الذين تمردوا على النظام والقانون كانت لهم ثوابت وقيم نبيلة لايمكنهم تجاوزها كاحترام الزاد والملح والجيرة ومناصرة المراة التي يعتدى على شرفها ومساعدة الضعفاء والمحتاجين هكذا كان مجتمعنا ايام زمان.




