ثقافية

أحوال مصر قبل الفتح الإسلامي ودوافع الفتح

علي العامري
كانت مصر أثناء الحكم البيزنطي خاضعة مباشرة للامبراطور البيزنطي في القسطنطينية، وذلك لأهميتها الاقتصادية للدولة الرومانية في الشرق والغرب، حيث كانت مصر تعدّ مخزن غلال الامبراطورية وذلك خلافاً لبقية مقاطعات الدولة الرومانية والتي كانت خاضعة لحكم مجلس الشيوخ. وكان اختلاف عقيدة المصريين عن حكامهم سببا في اضطهادهم من البيزنطيين وذلك لإختلاف عقيدة المصريين الذين رفضوا قرارات مجمع خلقيدونية (451) عن عقيدة البيزنطيين الذين قبلوا بقرارات هذا المجمع.
وهناك عدة دوافع دفعت المسلمين إلى الإتجاه إلى فتح مصر ومنها:
الدافع الديني: وهو ضرورة نشر الإسلام في مصر وأفريقيا، وقد سبق للمسلمين في عهد النبي محمد دعوة المقوقس إلى الإسلام سلميا، فقد أرسل له النبي الصحابي حاطب بن أبي بلتعة، وكذلك أبو بكر الصديق أرسل إليه حاطبًا مرة أخرى، وفي عهد عمر بن الخطاب أرسل إليه كعب بن عدي بن حنظلة التنوخي، فما كان من المقوقس إلا أن اكتفى بالرد الحسن. وكانت مصر خاضعة للإمبراطورية البيزنطية المسيحية فلا يمكن للمسلمين الدعوة إلي الإسلام فيها دون المواجهة مع البيزنطيين، وتمثل مصر مكانة كبيرة لدى المسلمين بسبب ذكرها العديد من المرات في القرآن الكريم وتبشير النبي محمد للمسلمين بفتحها وتوصيته بأهلها خيرا كل ذلك جعل المسلمين حرصين على ضم مصر إلى الدولة الإسلامية .
الدافع العسكري: لأن مصر هي الإمتداد الطبيعي الجنوبي لفلسطين التي سيطر عليها المسلمون وقد إنسحب إليها أرطبون قائد بيت المقدس لإعادة المقاومة، واسترجاع الشام مرة أخرى، هذا ما جعل المسلمين يسارعون في دخول مصر، وأيضا الاستيلاء على ما في مصر من ثغور وسفن سوف يمكِّن المسلمين من إخضاع مدن الشام الشمالية الواقعة على البحر المتوسط، ففتح مصر ضرورة حربية ملحة تكميلا لفتح بلاد الشام؛ هذا لأن الإمبراطورية الرومانية كانت تسيطر على مصر والشام وبلاد المغرب والتي تعدّ منطقة عسكرية واحدة، وأيضا خوفا من أن يهاجم البيزنطيون دار الخلافة في الحجاز عن طريق البحر الأحمر، وأيضا حاول البيزنطيون استرداد الشام من المسلمين مرة أخرى وعرقلة توجههم جنوبا فهاجموهم من شمال الشام فشعر المسلمون أنهم محاصرون بين قوات بيزنطة في آسيا الصغرى وقواتهم في مصر. وأيضا قلة التحصينات بمصر جعل مهمة الفتح سهلة وكان أغلب المشاركين في الفتح من قبيلتي غافق وعك اليمنيتين وكان لديهم مهارة في قتال الحصون الساحلية، واشتركوا مع عمرو في فتح الحصون ببلاد الشام، كما كانوا على دراية ببناء المدن واختطاطها، والإلمام بالزراعة.
الدافع السياسي الاقتصادي: فقد تَجَمَّع لدى المسلمين من معلومات أن الأوضاع الاقتصادية في مصر كانت متردية وكانت ثروات البلاد تذهب إلى روما، وأيضا أوضاع المصريين الأقباط الذين كانوا يعانون من الأضطهاد الديني المذهبي من البيزنطيين، وأدركوا أن ضم مصر إلى دولة الإسلام سينعش اقتصاد المسلمين ويضعف البيزنطييين حيث أن مصر كانت مصدرا رئيسا لتمويل بيزنطة بالقمح.

الفتح
سار عمرو بن العاص متجهاً من الشام إلى مصر وكان معه من جنود المسلمين أربعة آلاف، واخترق بهم رمال سيناء حتى وصل إلى العريش في آخر سنة 18 هـ وفتحها دون مقاومة حيث لم يكن بها حامية رومية ثم سار حتى وصل إلى “الفرما” فحاصرها شهراً ونصف شهر حتى تم له فتحها في أول سنة 19 هـ وكـان أهل مصر يساعدون المسلمين في هذا الحصار ثم تقدم عمرو إلى “بلبيس” فاستولى عليها بعد شهر لم ينقطع فيه القتال. ثم سار إلى ” أم دنيـن” (2) حيث نشب القتال وتحصن الـروم في حصن بابليون وكان من أمنع الحصون. وقد وقف المسلمون حوالي سبعة شهور أمام هذا الحصن حتى وصلهم مدَد جديد من الخليفة قوامه أربعة آلاف جندي آخرين واستطاعوا بعد جهاد عظيم أن يفتحوا هذا الحصن وكان ذلك سنة 20 هـ.. ثم اتجهوا بعـد ذلك إلى ” الإسكندرية ” وهي- حينئذ عاصمة الديـار المصرية، وقـد حشد الروم كل جهودهم لإنقاذ تلك المدينة مـن أيدي المسلمين حتى بلغت حاميتها حـوالي خمسـين ألفاً مـزودين بالمؤن الوفيرة والعُدَد الكـثيرة، والمسلمون لا يبلغون ربـع هـذا العدد، وقد طال أمد القتال إلى أربعة أشهر ثـم عقد عمرو الـلـواء لعـبـادة بن الـصامت ففتـح الله على يديه الإسكندرية وتـمكن من هزيمة الروم براً وبحراً. وبذلك صارت مصر ولاية إسلامية.
أثر الفتح الإسلامي في مصر:
كان للفـتح الإسلامي أثر عظيم في الشـعب المصري الذي شـعر من أول يوم بالفارق الكـبير بين عهدين. عهـدٍ كان مليئاً بالظلم والقسـوة. وعهد تسود فيه العـدالة الكاملة والإنصاف الشـامل. ولا غرو فقد أزال عمرو الضرائب عنهم وطبق فيهم أحكـام الشريعة الإسلامية فآمنوا على أنفسهم ونسـائهم وأولادهم، لقد حـرر الإسـلام الناس وأشعرهم بمعنى الكـرامة الإنسانية، فها هو القبطي الذي كان الـروم يلهبون ظهـره بالسياط، فلا يرد، لأنه لا يعرف للكرامة الإنـسانية أي معنى؟ ها هو يثور لكرامته، بعد أن أدرك قيمتها، فلا يقبل الإِهانة التي تلقاها على يد ابن حاكم مصر عمرو بن العاص
بعد أن تسابقا على الخيل فسبق القبطي ابن عمرو، فلطمه ابنُ عمرو، فاشتكى القبطي إلى أمير المؤمنين- الفاروق- بعد أن تكبد وعثاء السفر،من أجل الانتصار للكرامة فكان له ما أراد وتم إنصافه واقتُص له من ابن الحاكم. ثم قال عمر: كلمته الخالدة: “متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ” هذه هي عدالة الإسلام، وهذه هي الحرية والكرامة التي أرادها الإسلام للناس..
ولم تقتصر أعـمالهم على ذلك، بل أعادوا الأمن والنظام إلى البلاد وقاموا بإصلاحات عظيمة. فحفروا الترع وبنوا مقاييس النيل، وأنشؤوا الأحواض والقناطر والجسور فتحسنت ثروة الأهالي وساد الرخاء بينهم…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى