قصّةُ الغدير هي قصّةُ الإسلام كله

الشيخ الحسين أحمد كريمو..
إلى اليوم أكثر أهل الإسلام ما عرفوا الإسلام حق المعرفة، بل أكثرهم دخلوا في الإسلام وراثة عن آبائهم دون معرفة حقيقية بالأصول الدينية له، ولا حتى بالفروع الكثيرة، وحتى العبادات أخذوها عادات وتقاليد دون الوقوف على المعاني الحقيقية والمفاهيم الواقعية لدينهم العظيم، وعباداته الراقية جداً، وهذا ما جعل أهل الإسلام أغرابا عنه، والإسلام نفسه غريباً بينهم، وصدق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) حيث يقول: (بَدَأَ اَلْإِسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ يَرْجِعُ اَلْحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ)، ولذا على المؤمنين حقاً أن يعتبروا ما يرونه اليوم من غربة هي بوابة الأمل ليعود الحق لأهله بإذن الله تعالى.
الحقيقة أن قصة الغدير هي ثابتة ثبوت الإسلام نفسه، وواقعة شهدها أكبر عدد من الشهود في التأريخ الإسلامي كله، والله تعالى أنزل فيها ثلاث آيات كريمات نتلوها آناء الليل وأطراف النهار ولا أحد يستطيع أن ينكرها، فهي من المتواترات ورغم ذلك في كل عام تأتيك جوقة الكذب والدَّجل من مزامير الشيطان وأبواق الضلال من أتباع الإعلام الأصفر المعادي لكل ما هو إسلامي، ويعمل على بث الفوضى والتشكيك في كل حق، والتكذيب بكل فضيلة، وتلميع ونشر كل ساقطة هزيلة التي يأباها الضمير والوجدان الإنساني.
فقصة الغدير كقصة كربلاء ففي كل عام تجد شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زُخرُف القول غروراً ليشككوا ويشوِّهوا ويذرُّوا الرَّماد في العيون لا سيما الشباب ليمنعوهم من رؤية الحق الواضح الجلي، ويرسموا لهم صورة مختلفة تماماً لما جرى في التأريخ من حادثة عظيمة، وحديث كريم من الرسول الأكرم في ذلك اليوم الذي ما كان في يوم من أيام عمره الشريف كله فرِحاً مسروراً مثلها.
نعم؛ لقد وجب حق البيعة في أعناقهم، وذلك لأن رسول الله (ص) لم يخرج من تلك المنطقة في غدير خم حتى نصب خيمة وأمر المسلمين جميعاً بالبيعة له بالرسالة ولأمير المؤمنين الإمام علي بالإمامة والولاية، واستمر ذلك يومين كاملين وبايعه الجميع وحتى زوجاته أمرهنَّ ببيعته بيعة النساء، ولكن لماذا تنكَّر كل ذلك الجمع المهول، والعدد الهائل من الصحابة التي قد يصل عددهم ما يزيد عن المائة ألف لا سيما أن رسول الله حمَّلهم أمانة التبليغ لمَنْ خلفهم (فليبلِّغ الشَّاهد منكم الغائب)، وهل يعقل أنهم جميعاً نسوا أمر رسول الله (ص) ولم يبلِّغوا ما سمعوه منه مباشرة وبيعتهم لأمير المؤمنين خليفته ووصيه ووليهم من بعده؟
هناك قضايا وأسئلة كثيرة ووجيهة تدور حول حادثة غدير خم، ولن يجد أتباع الخلافة أجوبة شافية أو مقنعة لها أبداً لأنهم يبحثون عن الجواب في الأسباب لها وهم السلطة القرشية أصحاب المصلحة فيها، ولا يبحثون عنها عند أئمة أهل البيت (ع) الذين وقعت عليهم الجناية والظلم من السلطة القرشية ومَنْ أراد أجوبة لكل أسئلته وحَيراته عن حادثة وحديث الغدير فليراجع روايات أهل البيت فقط فهم حملة الرسالة الإسلامية وحماة القرآن الكريم من الهجر والتحريف، وأما الآخرون فهذا آخر ما يفكرون به وما مسألة الدِّين فقد أجاد بوصف حالهم السبط العظيم سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) حينما قال: (إِنَّ اَلنَّاسَ عَبِيدُ اَلدُّنْيَا وَاَلدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلاَءِ قَلَّ اَلدَّيَّانُونَ).



