الحج وتجديد الولاية لله عز وجل

نعيش في أجواء مناسك حج بيت الله الحرام هذه الأيام المباركة التي يتم فيها تجديد الولاء والطاعة الى الخالق عز وجل، ونرى توافد آلاف المسلمين من مختلف بلدان العالم نحو الكعبة الشريفة، من أجل اداء هذه المناسك المباركة التي لا تعد ولا تحصى فضائلها.
ويتضمن الحج كل العبادات، فالحج يتضمن الصلاة، لأن فيه ركعتي الطواف التي تجب على الطائفين بعد أن ينتهوا من الشوط السابع، سواء في الحج أو العمرة. وفي الحج يصوم من لم يقدر على الهدي، وكذا صوم بدل البدنة أي الإبل لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً وهو ثمانية عشر يوماً إن لم يتمكن من نحر بدنة، فإنه يجوز له أن يصومها وهو في سفر مكة. كما يستحب صوم ثلاثة أيام في المدينة المنورة لقضاء الحوائج، والأفضل إتيانها في الأربعاء والخميس والجمعة.
وفي الحج يسرع الناس لأداء ما في ذمتهم من أموال لله كالخمس والزكاة، ومن أموال للناس كالدَين والأمانة والوديعة وما شابه ذلك، وفي الحج ينطلق المؤمن لأداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكلما رأى منكراً نهى عنه، وكلما رأى معروفاً دعا إليه، وفي الحج أيضا يقوم الإنسان بزيارة النبي (ص) والأئمة الطاهرين (ع) والأولياء والصلحاء مما يكون في دائرة التولي والتبري.
كما يعد الحج هو أقوى تعبير عن الولاية المطلقة لله سبحانه تعالى، وذلك من خلال الطواف والسعي والوقوف بين يدي الله في عرفات والمشعر الحرام، حيث يؤكد المؤمن عبرها أنه موحد، وأن الامتثال لأوامر الله وتعاليمه هو محور حياته، والحج بما فيه من مناسك يمثل دورة كاملة في مسيرة التوحيد ونفي الشرك، وتتجلى في الحج الولاية المختصة بالنبي (ص) حيث يقوم الحاج بالامتثال للحركات والسكنات التي قام بها رسول الله (ص) في حجة الوداع، ويبيت في منى كما فعل رسول الله (ص) في حجة الوداع، ويطوف كما طاف رسول الله (ص) ويسعى كما سعى رسول الله (ص) ويقف في عرفات كما فعل رسول الله (ص) ويقتفي كل أثر قام به رسول الله (ص) في الحج دون أدنى تغيير.
وأيضا تتحقق في الحج الولاية الخاصة بالأئمة المعصومين (ع)، حيث يبدي الحجيج استعدادهم لإطاعة أوامر الإمام الغائب المهدي المنتظر ـ أرواحنا لمقدمه الفداء ـ وهو الإمام المفروض طاعته على جميع المسلمين والذي سيظهر بأمر من الله تعالى في مكة المكرمة، ليقود المسلمين إلى دولة الحق والصدق، ولما كان ظهوره في مكة فإن تقاطر المسلمين إلى بيت الله الحرام كل عام هو تعبير عن استعدادهم، لان يكونوا جنوداً للإمام المهدي المنتظر(عج) ينتظرون قدومه لينصروه على أعدائه.
وفي الحج يتخلص المؤمن من حب الدنيا والانغماس الشديد فيها، لأن هدفه الأسمى سيكون الآخرة، ولأنه سيترك الأهل والولد في سبيل الله سبحانه وتعالى، كما إنه يعالج مشكلة التكبر وتضخم الأنا لدى الإنسان، فعندما يأتمر الحاج بأوامر الله سبحانه وتعالى في خلع ملابسه وزينته وارتدائه للإحرام وهو قطعتان من قماش عادي، هذه الأوامر ستدفع بالإنسان إلى التواضع والى الابتعاد عن زينة الحياة الدنيا فيزال العامل الأول للتكبر.
والحج يزيد من احتمال الإنسان ويقوي لديه مقاومة المشكلات وذلك بتسليحه بسلاح الصبر، فصبر على فراق الأحبة، وصبر على العبادة، وصبر على ترك الشهوات، كما هو دورة تدريب على الصبر وعلى التحمل، وإذا تمكن الإنسان من تقوية المناعة النفسية لديه بالصبر وتحكّم على الشهوات فإنه سيكون أقدر على مواجهة المشاكل النفسية التي مصدرها ما ذكرناه سابقا.



