سفرة سياحية.. رواية عن غرائبية العيش في الواقع العراقي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …
يعد الروائي طه حامد الشبيب، واحداً من الكتاب العراقيين الذين لهم بصمة واضحة في الرواية العراقية، وقد كتب العديد من الروايات التي جعلت منه، أسماً مهماً في الأدب العراقي، وقد حصل على جائزة نجيب محفوظ في الرواية، عن روايته (الضفيرة) عام 2000 وها هو يعود ليصدر رواية أخرى حملت عنوان “سفرة سياحية”، واليوم ننشر ما كتبه الكاتب شوقي كريم عنها في “المراقب العراقي” تقديراً للكاتبين الكبيرين.
ويقول كريم، ان طه حامد الشبيب، كاتب روائي استثنائي، وأهم ما يعجبني فيه، اصراره الملفت للنظر، على الاستمرار وتقديم المختلف والمغاير منذ ان قدّم تلك الرواية المثيرة للجدل “إنه الجراد”، أخذ بناصية السرد، كاشفاً بجدية عن المدهش والمسكوت عنه، وكأنه يكتشف الكون العراقي مرات ومرات، كلما مثل جلجامش عرف كل شيء إصراراً على الديمومة والصراخ بصوت ناصع، أسمّيه صراخ الكلمات، متميز بالاختلاف والجذب، حين تبدأ رحلة الاكتشاف مع طه حامد الشبيب، ترى ما لم تره أو تعرفه من قبل، عالم مبني على الحقيقة والصدفة والغموض القلق، يومنا هذا يقدم الشبيب روايته الجديدة، سفرة سياحية، مدخل نصي بسيط، خالٍ من الجاذبية، لكنه يثير الكثير من الأسئلة المصابة بداء حيرة الإجابة.
الشبيب في ما يكتب غير معني بدفع المتلقي الى الاجابات، كائن مختلف يكره الاشتغال داخل دوائر الإجابات، ويكون في غاية السعادة حين يجلس متربعاً وسط أكوام الأسئلة التي تعنيه أو لا تعنيه، تلك السفرة السياحية ستكون لنا معها رحلة تفحص واشارات معرفية تقدم الاكتشاف كما يجب أن يكون.
لا يعرف الكثيرون في الوسط الادبي، ان الشبيب يعد الكتابة بصورة عامة وليست الروائية فحسب هي عملية تأمل بصوت عالٍ في العالم من حوله، تأمل يتكثف ويتكثف حتى ينتهي إلى أن يكون موقفا ثقافيا يتطلب مني أن أصوغ له حكاية تناسبه، حكاية مبنية بناء فنيا خصيصا لهذا الموقف وليس لسواه، بل ويعرج إلى القول عن مفهوم الكتابة بأنه “رحلة لصوغ حلم يشكل العالم من جديد كما ينبغي له أن يكون وهو ما يجعله دائم البحث عن مواضيع تمزج بين الواقع والخيال على امتداد تجربته الطويلة في الكتابة”.
ومن المعروف، إن إنتاج الأدب العجائبي والفانتازي قليل ومحدود في السياق العربي وليس العراقي فحسب، ويلحق باحثون الأدب الغرائبي العربي بالغرب، لكن روايات عربية فانتازية حديثة تشكك في تلك القناعة المستقرة في الدراسات الأدبية، وفي هذه الرواية يبتدع الشبيب النص الداخلي الخالي من الحكاية، مستخدماً ما يسميه اللعبة السردية، وهو أيضا لا يتنازل عن جعل الواقع الذي يعيشه الإنسان العراقي غرائبيا وفانتازيا وهو ما يحسب للشبيب الذي يحاول ترسيخ هذا النوع من الأدب ورواية سفرة سياحية لا تخرج عن هذا الاطار الذي مازال يسير على طريق تأسيسه عراقياً وعربياً بخطى واثقة والدليل هو صدور عدد من رواياته بهذا الاتجاه.
وفي روايته “سفرة سياحية” كما هو حال أغلب رواياته التي توصف بالملحمية والغرائبية، يمارس الروائي طه الشبيب، لعبة صناعة الوهم مثلما يمارس لعبة صناعة التشويق، لذا هو يصنع مادة درامية مليئة بالتفاصيل، حتى لكأنه يراقب “راويه العليم” لمجاراة الواقع الذي يعيشه، ويخلق شخصيات تتصارع فيما بينها لإنتاج نص روائي يجسد رؤيته للواقع العراقي الذي يعيش فيه واقعياً، لكنه يصوره بغرائبية في رواياته التي تعدت العشرين رواية، على الرغم من كونه يعد نفسه من الروائيين المقلين.
من جهته، يقول طه حامد الشبيب عن الرواية: “أتركها تتحرك عبر فضاء خيالي، لا ينزل إلى الواقع الكلي ولا يتبعد إلى سماوات بعيدة، بل واقع متحرك في المخيلة القرائية”؛ ولهذا كانت شخصيات الرواية عبارة عن مناورة واقعية مبنية على أساس خبرته الكبيرة، التي جعلته واحداً من الساردين العراقيين خلال الـ20 سنة الماضية، لكن الشبيب لا يريد الحديث عن فكرة الرواية، بل يرمي الكرة في ملعب القارئ، ويقول: “كديدني في جميع رواياتي، باستثناء روايتي الأولى (إنه الجراد) أعمل فيما أسميه رواية النص الداخلي؛ حيث لا توجد حكاية يؤتى بها من الواقع المعاش بل تخلق تخليقاً داخل النص”.
وهو يرى أن الحديث عن فكرة الرواية صعب جدا، ويضيف: “لا أستطيع في الواقع، أن أتحدث عن حكاية بالمعنى المتداول، لأن هذا أشبه ما يكون بلعبة تخترعها مجموعة أطفال، يتمتعون بما يرونه منها وما يلمسونه”.



