اخر الأخباراوراق المراقب

مفهوم التعددية في الفكر الإسلامي المعاصر

الشيخ عبدالله اليوسف..

لا يوجد خيار أمام الأمة الإسلامية كي تتوحد، إلا بالتزام التعددية، ووحدة التنوع، فالأمة الإسلامية وحدة واحدة، تتفق كلها على أن دينها الإسلام؛ من هنا يمكن القول بأن الوحدة بين أبناء الأمة ممكنة، ولكن في إطار التعددية، فهي وحدة واحدة في الدين ومتعددة في إطار هذه الوحدة

في البداية نتساءل ما المقصود بالتعددية؟.

التعددية تعني في أي شكل من أشكالها: مشروعية التعدد، وحق جميع القوى والآراء المختلفة في التعايش، وفي التعبير عن نفسها، وفي المشاركة على صعيد تسيير الحياة في مجتمعها. ويمكن تقسيم التعددية إلى أقسام كثيرة، ولكن نركز على أهمها:

  1. التعددية الدينية: وتختص بالتعدد في الدين والعقائد والشرائع والمناهج المتصلة به، ومفهومها يعني أولاً: الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء الديني في مجتمع واحد أو دولة تضم مجتمعاً أو أكثر.

ويعني ثانياً: احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلاف أو خلاف في العقائد.

ويعني ثالثاً: إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك في إطار مناسب وبالحسنى بشكل يحول دون نشوب صراع ديني يهدد سلامة المجتمع.

ومفهوم التعددية الدينية هذا يتضمن الإقرار بمبدأ أن أحداً لا يستطيع نفي أحد، كما يقر مبدأ المساواة في ظل سيادة القانون، كما يلتزم بمبدأ حرية التفكير والتنظيم واعتماد الحوار واجتناب الإكراه.

ففي ظل الإسلام لا تُلغى الديانات الأخرى، ولا يحظر وجود سائر المبادئ والملل، بل يخاطبهم القرآن الحكيم معترفاً بوجودهم، وتاركاً لهم حرية اختيارهم يقول الله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).

وقد اقتدى أمير المؤمنين (عليه السلام) برسول الله (صلى الله عليه وآله) واحترم كل حريات الناس حتى الأقليات التي كانت تحت لواء الإسلام، وفي الوقت الذي كان الإمام (عليه السلام) في أقصى درجات القوة، وحدود بلاده وحكومته تمتد من أواسط ما كان يُسمّى بـالاتحاد السوفياتي إلى غرب أفريقيا لم يجبر أي مواطن على أن يترك عقيدته وأن يعتنق الإسلام، بل العكس صحيح، فقد ورد في روايات عديدة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) حول الأقليات الدينية تقول: (الزموهم بما التزموا به) وقال (عليه السلام): (كل الناس أحرار) وقال الإمام الحسين (عليه السلام): (إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في دنياكم). فالروايات الواردة عن الأئمة الأطهار حول الحريات كثيرة، حتى أن فقهاء الإسلام اعتماداً على الكتاب والسنّة استنبطوا قاعدة عامة مختصرة ومفيدة تقول: (الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم).

وحينما يقبل الإسلام بوجود سائر الأديان والاتجاهات ضمن مجتمعه وفي ظل دولته، فإنه يمنحهم الحرية الكاملة في ممارسة شعائر أديانهم والقيام بطقوس عباداتهم، وتنفيذ تعاليمها وأحكامها دون أن يفرض عليهم شعائره وأحكامه أو يتدخل في شؤون أديانهم.

  • التعددية المذهبية: هي التعدد المذهبي في إطار الدين الواحد، ومفهومها يعني أولاً: الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء المذهبي في مجتمع واحد أو دولة تضم مجتمعاً أو أكثر.

ويعني ثانياً: احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلاف أو خلاف في الفروع أو غيرها.

ويعني ثالثاً: إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك في إطار مناسب وبشكل يحول دون نشوب صراعات مذهبية تهدد سلامة المجتمع.

ومفهوم التعددية المذهبية يتضمن الإقرار بأن (أحداً لا يحق له نفي أحد) و(ضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي للجميع) و (المساواة في ظل سيادة القانون).

لقد بدأت المذاهب الإسلامية في التكون منذ بداية القرن الأول الهجري، ويحكي لنا التاريخ عن نشوء الكثير من المذاهب والفرق والمدارس الفقهية، ولكن بعضها لم ينتشر ولم يكثر أتباعها، مما أدى إلى انقراضها، أما الذين تأصلت مذاهبهم وبقيت إلى يومنا هذا، فأهمها ما يلي:

أ- السنّة بمذاهبها الأربعة: الحنفي، الشافعي، المالكي، الحنبلي.

ب- الشيعة بطوائفها الثلاث: الإمامية الاثني عشرية، الزيدية، الاسماعيلية.

ج- الخوارج والمعروف منهم حالياً: الأباضية.

نستنتج من كل ما تقدم؛ أن ظاهرة (التعددية المذهبية) ظاهرة طبيعية، وسمة لازمة في جميع الأديان والعقائد، وأن الإسلام ليس بخارج عن تلك القاعدة، كما يؤكد ذلك التاريخ الماضي والواقع المعاصر، وأنه لا يمكن إلغاء تلك المذاهب، ولكن من الممكن الاتفاق على (القواسم المشتركة) التي تجمع بين المذاهب الإسلامية المتعددة، والتسامح في شتى الفروع الفقهية ووجهات النظر المذهبية الأخرى.

إن التعصب بجميع أشكاله، ومحاربة فكر وآراء الآخر، والعمل على فرض آراء الذات بأية وسيلة لن يحقق إلا تمزيق الأمة وتفتيت وحدة المجتمع المسلم، وإضعاف الروح المعنوية، وخلق الفتن والصراعات والمعارك لا تبتعد عن كونها تجادلاً، والحروب العبثية، وهي عملية هدم لكيان الأمة كله.

  • التعددية السياسية: وتعني مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها بالتعايش وفي التعبير عن نفسها، وفي المشاركة بالتأثير على القرار سياسياً في مجتمعها.

ومصطلح التعددية السياسية يعني أولاً: الاعتراف بوجود تنوع في مجتمع ما، بفعل وجود دوائر انتماء فيه، ضمن هويته الواحدة.

ويعني ثانياً: احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من خلاف أو اختلاف في العقائد والألسنة والمصالح وأنماط الحياة والاهتمامات، ومن ثم الأولويات.

ويعني ثالثاً: إيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك كله بحرية في إطار مناسب وبالحسنى، بشكل يمنع نشوب صراع يهدد سلامة المجتمع، وإن اشتراك جميع فئات المجتمع في هذا الإطار بآرائهم هو ما يصطلح على تسميته بالمشاركة السياسية.

وقد كان في دولة المدينة وفي عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مجموعة من القوى السياسية وقد تعامل النبي مع كل تلك القوى والجماعات السياسية ولم يعمل على إلغائها أو إضعافها، وذلك من أجل الحفاظ على التوازن الاجتماعي والسياسي المطلوب، فضلا عن أن تكوين القوى والتجمعات السياسية، هو حق من حقوق الحرية السياسية.

ومفهوم التعددية السياسية يشير إلى حق (المعارضة) في ممارسة أنشطتها، وقد كفل الإسلام للمعارضة السياسية السلمية جميع الحقوق المشروعة، كما أنه في التجربة الإسلامية الأولى دلائل وشواهد تؤكد شرعية المعارضة والتعددية في الإسلام.

وقد أرسى الإمام علي (عليه السلام) حق (الرأي الآخر) والتعبير عن ذلك الرأي بأية وسيلة مشروعة، فلم يسجن أحداً لمخالفته له في الرأي، ولم يمنع أحداً من العطاء، لأنه لا يتفق معه في موقف أو في رؤية، ولم يبطش بأحد خالفه في الفكر أو المعتقد، بل سمح لكل الآراء أن تعبر عن ذاتها، ولو كان ذلك التعبير على شكل تظاهرة سلمية أو اضراب مدني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى