“ليتني لم أفق” رواية معبأة بمعاناة أهل الجنوب من حكم الطاغية

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يُعد الكاتب حسن الموسوي واحدا من الذين عاش شبابه في زمن حكم الطاغية المقبور لذلك كانت أغلب كتاباته تتمحور في ذلك الوقت ولعل روايته “ليتني لم أفق” هي من الروايات المعبأة بالمعاناة والعذاب النفسي من حكم الطاغية وقد تناولها الكاتب والناقد إياد خضير في قراءة تنشرها “المراقب العراقي” وفيها يقول: رواية (ليتني لم أفق ) للكاتب حسن الموسوي ، صادرة عن دار النخبة للنشر / مصر تقع في ( 95) صفحة من الحجم المتوسط ، وقد قسمت الى ثمانية فصول كل فصل يحكي فكرة او مضمون في اسلوب يحمل سمات روائية متفردة ، استوعبت مكونات الابداع الروائي الجوهرية ، الشخصيات والسرد اللغوي والزمان والمكان والبناء الفني جميعها تفاعلت معاً كون الرواية من الفنون الادبية التي تمتلك رصد الامكنة الروائية المختلفة من وصف داخلي وخارجي الذي يعد اساس البناء الروائي ، تجعل المتلقي ينتهي من فصل الواحد الى الفصل الذي بعده ، فيه شد وإثارة وتشويق.
هي رواية معبأة بالمعاناة الانسانية والعذاب النفسي والمعنوي والجسدي ، كتبها الروائي حسن الموسوي بلغة جميلة ذات فنية عالية معلنة عن التدفق الانساني المتشظي عند الانسان الذي يملك المشاعر والذي يتماهى مع الصفحات وفصول المأساة التي تضمنتها الرواية في الصراع نتيجة الظروف الاجتماعية والسياسية وحتى الاخلاقية التي يغرزها الفقر والجهل والمرض والكوارث .
الرواية تحمل الغياب الذي هو الوحدة الوظيفية الاولى حيث يغيب الاب تاركاً عائلته ابنه وزوجته والذي يترك هذا الغياب اثراً نفسياً مسبب ضرراً بالغاً للعائلة .. يبدأ الابن الذي تركه ابوه طفلاً ، يكبر ويظل يتساءل عن سبب الغياب وعن المكان الذي هاجر اليه ، تبدأ الرواية في البحث عن الغائب الذي يعكس بانوراميه لما يصيب دواخلهم من انفعالات وافكار وسلوكيات مختلفة للجد والخال والزوجة .
الزمن في الرواية طويل اكثر من اربعين عاماً .. بعد معاناة الابن (عامر ) وتخرجه من الاعدادية كان في تفكيره ان يكون طياراً ، سعى الى التقديم ، وقدم اوراقه الى كلية الطيران ، يتحدث (عامر) عن العذاب الذي لاقاه في الاختبارات الكثيرة والتي خصصت لذلك من سلامة بدنية وفحص طبي ولياقة واجتياز للاختبار حتى يحصل على كلمة ( ناجح في الاختبار ) لكنه ينصدم لعدم ظهور اسمه مع المقبولين لأنها تخص الاغلبية المتقدمين من محافظة تكريت وهو إبن مدينة العمارة كانت صدمة تضاف الى الصدمات التي تلقاها عند سفر والده الذي لم يعُدْ.
الرواية فيها الكثير من الواقعية هذا حال العراق إبان الحكم المستبد الذي يحرم ابناء الجنوب من تحقيق مطالبهم .
( حين عدم عثوري على اسمي في قائمة المقبولين اسودت الدنيا في وجهي ، وشعرت حينها بأن غمامة سوداء احتوت المكان ، في البداية لم أصدق ما رأته عيني ، فلقد خلت القائمة من اسمي ، بعد لحظات من القلق ، علا صياح شاب نحيل كان يقف بالقرب مني ، يبدو أنه قد وجد أسمه ضمن القائمة شزرته بنظرة تعب ، كان شاحب اللون ، يبدو أن العافية قد غادرته منذ أمد بعيد .
تساءلت في نفسي ، كيف تم قبوله رغم نحوله الشديد؟
وما ان أصغيت الى كلامه حتى اكتشفت سر قبوله ، كانت لهجته تدل على انه من مدينة تكريت شمال العاصمة بغداد ) ص37.
رواية مؤثرة بواقعها المرير يلازمك التعب ويعصرك الالم وانت تقرأ المعاناة الكبيرة التي اثرت على سلوك العائلة بموت الام والجد وبقي الخال الذي احتضن ( عامر) يساعده في ادارة المزرعة والتي كانت مصدر رزق العائلة .
الرواية كتبت بشكل حديث احتوت على مشاعر جياشة بالجذب وبتعابير فنية وبساطة المعنى مشعة بالأحاسيس الوجدانية ورصدت بإتقان موضوع المأساة في سياق سرد متماسك البنية لتنتهي الرواية بفصلها الثامن بأن الابن (عامر) سافر الى الخارج كونه مدير شركة وشاهد رجلا بائسا يطلب من الاخرين صبغ أحذيتهم ليعيش والذي اتضح بأنه والده الذي حُكي بأنه عاش على فلوس زوجته لان اهلها اثرياء وانه تزوج من امرأة عند نفاذ النقود والتي كانت تجلب له من خلال وسيط أقاربهم الذي انقطع بعد ان انتهت المصلحة .
أرّخَ الكاتب حقبة تأريخية مهمة اجتماعية وسياسية ونفسية واقتصادية ، فكانت وجعاً مبحوحاً ، اقتصت عمر الكثير من الشعوب ، تعتبر بصمة حياة لكثير من أوطاننا العربية …
تنتهي الرواية بهذه الكلمات الموجعة .
( ــ لو سمحت هل أنت مدير الشركة ؟!
ــ نعم
ــ نريد أن تملأ استمارة الإقامة ، ما هو اسمك ؟
ــ حسناً، اكتب!
ــ( عامر حميد كاظم )
قلت ذلك وأخذت أتطلع في أرجاء الفندق ، وكأني أبحث عن شيء ما في لحظات عصيبة ، انتابني القلق ، وعلتني الدهشة وبانفعال شديد أخذت أردد فيما بين نفسي:ليتني لم أفق!ليتني لم أفق! ) ص95



