الإمام علي “ع” مصداقاً للحاكم العادل

من الصفات الحميدة التي يتميز بها الحكام الخالدون، أنهم يعيشون بين الناس، فيعرفون عن قرب ما يحتاجونه، وما ينقصهم، وما يتعرضون له من ظلم أو تجاوزات تبدر من ذوات الجبروت والطغيان، فيبادر الحاكم المنصف إلى تحجيم أصحاب الجبروت والطغاة، ويمنعهم عن إلحاق الظلم بعامة الناس.
هذه إحدى المهام التي كان يقوم بها الإمام أمير المؤمنين، ويشدد بقوة على حماية الضعفاء والبسطاء والفقراء من ظلم المتجبرين المتسلطين، فيقوم بكبح جماحهم، ويضع حدّا لغرورهم، ويدمّر جبروتهم الفارغ، ويجعل الناس يعيشون في أمن واطمئنان.
أما الحكام الطغاة، فإنهم لا يتواجدون مع عامة الناس، بل يعزلون أنفسهم في أبراجهم العاجية، وعروشهم، حتى يكرسوا سلطتهم وخشية الناس منهم والحفاظ على جبروتهم، وفي نفس الوقت يخشى الحكام المتجبرون النزول إلى المجتمع كونهم يخافون من الناس بسبب ظلمهم لهم، لهذا يتجنبون التواجد بينهم، لكن أمير المؤمنين بعيد كل البعد عن مثل هذه السلوكيات، فهو الأقرب إلى عامة الناس دائما.
وعادةً أصحاب السلطات يعيشون بعيدين عن المجتمع، ويترفعون عن ممارسة الحاجات الصغيرة بأنفسهم لعدّة أسباب منها: الجبروت والطغيان. وبسبب الخوف من المجتمع الذي يمارسون الظلم معه. وبسبب الفرار من كثرة تراكم الأعمال عليهم. أما الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فهو أبعد ما يكون عن هذه الأسباب كلها.
ولأن الإمام عليه السلام يقف بالضد من المتجبرين الطغاة الظالمين، فإنه لا يمكن أن يكون منهم، بل هو أبعد ما يكون عن هذه الصفة الجوفاء التي تصيب الفارغين المرضى بالنرجسية والغرور والتعالي على الآخرين، في حين كان الإمام علي واحدا من عامة الناس، يتشابه معهم في الملبس والمأكل، بل في أحيان كثيرة يعيش فقيرا وهو الحاكم الأعلى.
لذا فإن أهم ما يبتعد عنه الإمام علي كحاكم أعلى أنه لا يظلم أحدا مطلقا، وهذا ما عُرف به بين الجميع، ولهذا لم يكن يخشى الشعب، ولا يعزل نفسه عن الناس، بل على العكس من ذلك يتواجد بالقرب منهم، يجالسهم، يتجول في الأسواق والمناطق الفقيرة، لكي يطلع على أحوال الجميع، ولكي يضمن عدم تعرض أحد للظلم أو التجاوز أو سلب الحقوق.
ما هي صفات الحاكم الناجح؟
أما في مجال تقديم الجهود والتعب المتواصل، والسهر على راحة الناس، وحماية حقوقهم، فإنه (عليه السلام) كان لا يدّخر جهدا لكي يساعد الجميع، ولا يتردد من القيام بالأعمال الشاقة بنفسه، لهذا لا يخشى التواجد بين الناس، كما أنه يقوم بنفسه بالأعمال الكبيرة، فلا يخشى أي نوع من الأعمال ومن الجهود التي تصيبه بالتعب كونه اعتاد على ذلك.
أما قضاء حاجات الناس فكان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، رغم مشاغله الكثيرة والكبيرة بصفته القائد الأعلى للدولة، لكنه كان شديد الحرص على قضاء كل الحاجات التي يحتاجها الناس، دونما مللٍ ولا كلل، يحدث هذا في النهار أو الليل أو في الحر والبرد.
ولأنه من الحكام الذين لا ينامون إلا بعد أن يطمئنوا بأن جميع الناس بخير وأمان، فإن الناس تعرفه جيدا، فلا يشعرون بالخوف، لأنهم مطمئنون إلى أن هناك حاكما عادلا كريما منصفا وشجاعا، لا يخشى لومة لائم ولا يجامل على الحق، ولا يسمح بالظلم بكل أنواعه، ولا يجامل المتجبرين الظالمين، لهذا ينام الناسُ مطمئنين.
في ساعات النهار، وساعات الليل، يتجول القائد الأعلى للمسلمين، عينه لا تنام قبل أن يطمئن على أمن الجميع، والأمن المقصود هنا، حماية الناس من الظلم، ومن الجوع ومن كل التجاوزات الأخرى، يتجول في الأسواق وفي الأمكنة السكنية، وهذا معروف عنه بين عامة الناس، لهذا يطمئنون ويعرفون بأنهم يلوذون بحاكم منصف شجاع وعادل.
أليست هذه دروس واقعية عملية يقدمها أمير المؤمنين (عليه السلام) لحكام اليوم، لكي يتعلموا كيفية ممارسة الحكم، وكيفية التعامل مع الطغاة الظالمين من ناحية، ومع البسطاء الضعفاء من ناحية أخرى، فالكل كان يعرف حدوده، والجميع كانوا يعيشون تحت خيمة العدل والمساواة والأمن والحرية وإبعاد شبح الجوع.



