غزة من قبل ومن بعد..معركة طوفان الاقصى ..مآلاتها ومستقبلها

بقلم/ محمود الهاشمي..
بصدور قرار مجلس الامن الدولي الداعي الى “وقف فوري لاطلاق النار” في غزة ، في يوم الاثنين الموافق (25-3-2024) تكون معركة طوفان الاقصى قد انتهت ببعديها العسكري والسياسي بعد مرور خمسة اشهر على بدئها ومارافقتها من تضحيات جسام طالت المدنيين من اهالي غزة ،وماخلفت من دمار هائل في المباني والمؤسسات والمستشفيات والمساكن. الذين صوتوا لصالح القار “14” دولة فيما هناك دولة واحدة لم تؤيد القرار هي الولايات المتحدة .
قبل ان تبدأ “معركة طوفان الاقصى” في السابع من شهر تشرين عام 2023 يكون العالم قد شهد الاحداث الاتية:
1-صعود اليسار في قارة امريكا اللاتينية وهزيمة اليمين الذي رعته الولايات المتحدة على مدى “70” عاماً.
2-تمدد النفوذ الصيني الاقتصادي في امريكا اللاتينة لدرجة ان الميزان التجاري بين الصين والقارة وصل الى “330” مليار دولار عام 2019 بعد ان كان فقط “12” مليار عام 2000.
3-الانقسام في المجتمع الامريكي بين اهل الشمال والجنوب وصل اوجه كما يقول الرئيس الاميركي الاسبق اوباما “أمريكا منقسمة بشدة، وذلك ليس علامة جيدة للديمقراطية”” وقال ايضا” إنّ حدة الإنقسام في الولايات المتحدة حالياً أكثر ارتفاعا”المعلوم ان الحرب الاهلية الامريكية عام “1861” كانت بين اهل الشمال الامريكي وجنوبه وضحاياها “800” الف قتيل.
4-صعود اليمنين المتطرف في اوروبا والنزعة ضد المهاجرين.
5-صعود الصين كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية وبداية تشكيل قطبية جديدة تضم دولاً عديدة مثل روسيا وايران والهند وباكستان والبرازيل وظهور منظمة “البريكس ” كقوة اقتصادية جديدة بقيادة الصين.
6-الحرب الاوكرانية الروسية وتداعياتها الدولية.
7-تصاعد الازمة بين الولايات المتحدة والصين بشان “تايلند”.
8-بداية التمرد الياباني وظهور شخصيات قومية مثل رئيس الوزراء السابق “شينزو ابي” الذي خطط الامريكان لاغتياله.
9-تمرد دول افريقية عديدة بالضد من الوجود الفرنسي ونفوذ الصين وروسيا الى القارة.
10-تراجع الاعتماد على الدولار في التعاملات المالية عالميا.
11-تمدد “طريق الحرير “الى دول عديدة.
12-انحسار النفوذ الامريكي في منطقة الشرق الاوسط وانسحابات عسكرية من قواعد عديدة كما قال الرئيس السابق ترامب “لم يعد الشرق الاوسط من اولوياتنا”.
13-تصاعد التذمر من (التطبيع )في دول مثل الاردن ومصر واضافة الى دول اخرى ساقتها امريكا الى التطبيع مثل “البحرين والامارات”والضغط على السعودية للحاق بهم وهنا نورد ما كتبه الاعلامي احمد الجار الله الكويتي من قبل في جريدة السياسة الكويتية قبل اسبوع من انطلاق عملية طوفان الاقصى، مناشداً ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “سمو الامير محمد بن سلمان اعقلها وتوكل” بمعنى “اذهب للتطبيع مع اسرائيل دون تردد” واورد في بداية المقال “ان القضية الفلسطينية لم تعد ملفاً عربياً”.
14-صعود شخصية عمران خان في باكستان كرئيس مناهض لامريكا وداعم للمشروع الصيني الروسي ..
15-ظهور الهند كقوة اقتصادية وعسكرية في الشرق ومحاولة زعيمها اليميني “ناريندرا مودي” الاستفادة من الخلاف الامريكي الصيني وركوب الجوادين معاً.
16-ظهور ايران كقوة اقتصادية وعسكرية واجتماعية استطاعت ان تقف بوجه التفرد الامريكي على مدى “45” عاماً وان تبني مشروع محور المقاومة في المنطقة ومحاصرة اسرائيل من جميع الجهات ومد فصائل المقاومة الاسلامية بالمال والسلاح والاعلام والتاييد ليمثل عمقاً استراتيجياً لها في المنطقة
17-تطور اداء فصائل المقاومة في العراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين المحتلة، والدخول مع اسرائيل في العديد من المعارك وتحقيق انتصارات و” معادلة الردع” معها.
18-دخول عزة في خمس معارك مع اسرائيل منذ ان انسحبت قوات الاحتلال الاسرائيلي من قطاع غزة عام “2005” واعلان اسرائيل عام “2007” بان غزة كيان معاد وفرضت عليها حصاراً شاملاً.
واهم الحروب التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة منذ حصارها:-
1-(2008-2009) معركة الفرقان استمر العدوان “23” يوماً سقط خلاله “1430” شهيداً فلسطينيا.
2-(2012) معركة حجارة السجيل استمرت لمدة ثمانية ايام وتم خلالها اغتيال احمد الجعبري قائد كتائب عز الدين القسام.
3-(2014) معركة “العصف الماكول” واستمرت لمدة “51” يوماً شن خلالها العدو “60” الف غارة على القطاع وسقط فيها “2322” شهيداً.
4-(2019) معركة “صيحة الفجر “حيث استهدف العدو بصاروخ قائد المنطقة الشمالية في سرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الاسلامي في غزة “بهاء ابو العطا” فردت حركة الجهاد بعملية استمرت حوالي “7” ايام.
5-(2021) معركة “سيف القدس “حيث اطلقت المقاومة “4” الاف صاروخ على مدن وبلدات في اسرائيل بعضها تجاوز مداه “250” كم واسفرت هذه المعركة عن استشهاد “250” فلسطينياً.
وهذا يعني ان اهالي غزة قد الفوا الحروب سواء كفصائل مقاومة او كشعب حيث في كل معركة يسقط شهداء اغلبهم من الاطفال والنساء والشيوخ وتهدم مناطق باكملها.
من هذا وغيره نفهم ان معركة طوفان الاقصى التي مازالت تجري وقائعها على الارض هي امتداد طبيعي لسلسلة معارك فصائل المقاومة مع العدو الصهيوني.
19- كان العدو الصهيوني يمر بمرحلة سياسية معقدة بين الاحزاب الحاكمة والمعارضة وخروج تظاهرات مليونية لاسقاط حكومة “نتنياهو” اليمينية وتدهور الاوضاع الداخلية لدرجة بدأ بعض الكتاب اليهود يعودون الى ادبياتهم القديمة بان اليهود لاتستمر لهم دولة لثمانين عاماً على طول التاريخ وقد تسقط قبل هذا التاريخ دولة اسرائيل الحالية.
20-امتلاك فصائل المقاومة الاسلامية سلاحاً متقدماً قادراً على ان يصل الى ابعد نقطة باسرائيل وعجز المضادات الجوية الاسرائيلية عن مواجهتها وتحييدها واعتقاد قادة المقاومة ان اسرائيل تعيش ايامها الاخيرة ، يقول السيد حسن نصر الله في لقاء جمعه مع مجموعة من الكتاب والمحليين السياسيين بلبنان “لقد اكملنا الاستعدادات لخوض ” المنازلة الكبرى مع اسرائيل” واذا تدخلت امريكا فاهلاً وسهلاً بها”.
قبل شهر من الان تكون معركة طوفان الاقصى قد انتهت عسكرياً ولم يعد جيش العدو الصهيوني قادراً ان يحقق انجازاً عسكريا بل تورطت قطعاته وسط حطام وركام المنازل المهدمة وقوة عسكرية مجهولة المكان تخرج من تحت الارض وتجهز على عدوها …
صحيح ان الضحايا المدنيين ربما سيصل عددهم الى “35” الفاً ولكن كل ادبيات الحرب تقول ان الجيوش التي تستهدف المدنيين تخسر المعركة” فامريكا قتلت “3” مليون مدني في فيتنام لكنها خرجت من المعركة خاسرة ومثل ذلك في العراق وافغانستان.
ان كل المفكرين والكتاب وصولاً لقادة المقاومة انفسهم اكدوا بعد ايام من معركة “طوفان الاقصى” ان “العالم بعد معركة طوفان الاقصى هو غيره ما بعد المعركة” مؤكدين على :
1-عزلة اسرائيل عالميا وانعكاس ذلك على العلاقات الدولية وتاثير اسرائيل في المنطقة والعالم.
2-تراجع النفوذ الامريكي ليس على مستوى منطقة الشرق الاوسط انما العالم فقد خسرت امريكا الكثير من سمعتها بسبب دعمها لاسرائيل.
3-ارتقاء القضية الفلسطينية لتكون محط انظار العالم بعد ان غيبها الاعلام الغربي والصهيوني.
4-عودة التفكير في قضية حل الدولتين وايجاد دولتين متجاورتين لليهود وللعرب.
5-ارتقاء محور المقاومة ليكون رقماً مهماً في المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة.
6-صعود ايران كقوة داعمة لقوى التحرر في العالم وصناعة مستقبل المنطقة.
7-تصاعد النفوذ الصيني في المنطقة والعالم لموقفها المميز في دعم القضية الفلسطينية .
8- تاثير معركة طوفان الاقصى والقضية الفلسطينية على معظم الانتخابات التي جرت خلال الاشهر الماضية من عمر المعركة وفي المستقبل ايضا بين منتصر للقضية الفلسطينية وبالضد منها.
9-تراجع اليمين على مستوى العالم لانه وقف مع الابادة الجماعية للشعب الفلسطيني.
10-وقف مشاريع التطبيع التي تخطط لها امريكا واسرائيل فقد اثبتت معركة طوفان الاقصى هشاشة اسرائيل عسكريا وسياسيا.
11-خلق تفاهمات عربية ايرانية في كثير من الملفات في المنطقة وتمدد تيار المناوئين لامريكا.
12-صعود التيارات السياسية في مصر والاردن والمغرب المعادية للتطبيع وتغير الخارطة السياسية في هذه الدول.
13- بداية الانيهار لاسرائيل كـ”وجودمفترض “بالمنطقة وصانع للازمات.
14-بداية التفكير الجاد لامريكا بان اسرائيل اصبحت تمثل عقدة لها وتتقاطع مع مصالحها.
قد يسال البعض هل جاء قرار مجلس الامن موافقا ً للراي الامريكي؟
تدرك امريكا ان منطقة الشرق الاوسط منطقة ازمات وانها ترغب للتفرغ الى حرب اوكرانيا وازمة تايلند، ومشكلتها مع الصين وان حرب غزة اضطرتها ان تنقل الكثير من معداتها العسكرية وبوارجها للمنطقة، كما شغلتها سياسيا واضطرارها للقيام بزيارات واسعة للمنطقة ناهيك، عن “الحرج” الكبير الذي تسبب لها بسبب موقفها الداعم لاسرائيل واستخدامها “الفيتو” ضد قرارات مجلس اللامن بوقف اطلاق النار بغزة، لذا فانها كانت ترغب ” بوقف اطلاق النار” ولكن ليس بهذه النهاية الخاسرة للمعركة لاسرائيل وفي كل الاحوال ستحاول الاستعانة باصدقائها بالمنطقة لايجاد ” تخريجة “لما بعد معركة طوفان الاقصى ونعتقد ان امريكا ستعمل على :
1-الاستعانة بالصين في حل جذري للقضية الفلسطينية بشكل عام باعتبار انها مقبولة لدى “طرفي النزاع”.
2-اجراء تفاهمات مطولة مع ايران بشان محور المقاومة والتهدئة وتشكيل الجغرافية السياسية للمنطقة.
3-العمل على منع نشوء حرب بين لبنان واسرائيل وحل مشكلة الحدود.
4-من الصعب على امريكا ان تتفرد بصناعة مستقبل القضية الفلسطينية وفق اهوائها .
5- ستعمل على حل مشكلة اليمن وابقائها كدولتين في الشمال والجنوب.
6-ستعمل السعودية والامارت على حل مشكلتها مع صنعاء..
7-من الصعب على امريكا ادخال اوروبا “حلف الناتو” في حرب مع روسيا فقد تتمرد على قراراتها.
8-سيتم الحديث كثيراً عن حل الدولتين لكن من الصعب رضا الطرفين سواء المقاومة او اسرائيل.



