اخر الأخباراوراق المراقب

انتظار الإمام القائم “ع”

الانتظار ليس فكرة طوباوية بعيدة عن الواقع، ولا هو فكرة سلبية تجعل الإنسان، يبتعد عن المجتمع وعن الناس، وينعزل في مكان قصي، ليتعبَّد أو يتلهَّى في شؤونه الخاصة، بل هو عمل حقيقي وواقعي يعيشه الإنسان بكل وجوده وتفاصيل حياته مع نفسه، وفي أسرته الصغيرة ثم الكبيرة.

لا يمكن لباحث في القضية المهدوية المباركة، أن يدرسها إلا ويقف طويلاً عند مسألة هي في غاية الأهمية والرُّقي والحيوية بحيث أنها مُلهمَة الأجيال، ومربية الرِّجال والنساء والأطفال عليها، وهي فكرة الانتظار، فما هو الانتظار، ولماذا ننتظر، ومَنْ ننتظر، وكيف ننتظر ونصبر كل هذه القرون المتطاولة على أمل وُلد في بطن الماضي البعيد، ونعتقد بأنه يأتي من باطن الغيب القريب، فما هي فلسفة الانتظار عند المنتظرين والعشاق الأكارم لصاحب الأمر وناموس الدَّهر الحجة بن الحسن مهدي هذه الأمة وهادي الأمم إلى نجاتها؟.

وليس انتظار الفرج، أن تدَّعي أنك من المنتظرين لصاحب الأمر، فما أكثر المدَّعين للإسلام والإيمان، ولكن إذا لم يُقرن ذلك العلم بالعمل الحقيقي وبما يُمليه عليك الواجب الرِّسالي، فأنت لست من المنتظرين الحقيقيين لإمامك، بل أنت سمعت الفكرة ورحت تردِّدها على لسانك (يا فرج الله)، ولكن عندما تؤمن بالفكرة وتعيشها في كل تفاصيل حياتك وتعمل كل ما بوسعك، وتسعى جهدك وجهادك في سبيل التهيئة والتحضير لنفسك ولمَنْ هم حولك لحضور وظهور صاحب الأمر، ودائماً تسأل نفسك هذا السؤال: (ماذا لو حضر الدَّاعي، وقال لي: أجب سيدك ومولاك صاحب الأمر، فهل أنت حاضر للتلبية، وجاهز للحضور والتضحية؟).

وإذا دققنا في هذا الجانب الفكري والعقائدي وبحثنا في الأحاديث لوجدنا بأن هذا الانتظار ليس فعلاً إيجابياً فقط بل هو يرقى عن الفعل، ليصبح عبادة من أهم وأعظم العبادات، وهذا ما يقوله أمير المؤمنين وسيد الوصيين الإمام علي (عليه السلام): (أَفْضَلُ عِبَادَةِ اَلْمُؤْمِنِ اِنْتِظَارُ فَرَجِ اَللَّهِ)، فهو فعل عبادي أي يجب أن تقرنه بنيَّة القربى والطاعة لله تعالى، لأنه بهذا الشيء يكون العمل عبادياً وإلا فيكون من نوع آخر، فانتظار الفرج بهذه النيَّة والكيفية يرتقي بالإنسان، ليكون متناسباً ومتناسقاً مع الهدف الذي خلقه الله لأجله، وذلك في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي ليطيعوا الأوامر ولينتهوا عن الزواجر، والطاعة الحقَّة لا تكون إلا عن الطريق الذي حدَّده الرَّب لعبده، وطريق العباد يمرُّ من عند إمامهم، ليكون هو الرَّقيب عليهم، والشَّاهد لما يفعلونه في حياتهم، كما في الآيات الكريمة والروايات الشريفة.

والانتظار في الحقيقة ليس هو فكرة طوباوية بعيدة عن الواقع، ولا هي خيال جامح، ولا حتى حلماً وردياً يعيشه الإنسان في حالة النوم ولا حتى اليقظة، ولا هو فكرة سلبية تجعل الإنسان يبتعد عن المجتمع وعن الناس وينعزل في مكان قصي، ليتعبَّد أو يتلهَّى في شؤونه الخاصة، بل هو عمل حقيقي وواقعي يعيشه الإنسان بكل وجوده وتفاصيل حياته مع نفسه وفي أسرته الصغيرة ثم ضمن أسرته الكبيرة وهي الأمة الإسلامية، فيعيش همومها وآلامها بكل قساوتها وصعوبتها، لأنه مَنْ سمع منادياً يا للمسلمين ولم يجبه فليس بمسلم، وكذلك المؤمنين مَنْ سمع أخاه المؤمن يستغيث ويستجير به ولا يجيره ويغيثه فليس بمؤمن.

فالحياة عقيدة مقرونة بالجهاد، وأفضل الجهاد في هذا العصر -وفي كل عصر الغيبة- هو العمل الجاد، ليكون عملك وحياتك وكل ما لديك، ليكون في خدمة صاحب الزمان، ولذا قال الإمام الرِّضا (عليه السلام): (أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي اِنْتِظَارُ فَرَجِ اَللَّهِ تَعَالَى)، فأفضل أعمال الأمة الإسلامية ليس الصلاة وهي عمود وعماد الدِّين، ولكن للشخص نفسه، ولا الصوم الذي هو جُنَّة من النار، لأنها تقي الصائم فقط، بل أفضل الأعمال هو ذلك العمل الذي يحقق ويسعى لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ويسعى لرفع راية التوحيد في كل مكان على ظهر هذه المسكونة، وأن يعمَّ العالم الأمن والأمان ويسود السِّلم والسلام، وذلك بقيام دولة الحق والعدل المنتظرة بقيادة الإمام الحجة بن الحسن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

والآن في هذا المعترك الحضاري الأمة الإسلامية أمام تحدٍ حقيقي ووجودي لوقف هذا التدهور القيمي فيها، وإذا لم تستطع أن توقف كرة النار ووصلت إليها وفعلت فعلها من حيث الفساد، فإنهم سيحق عليهم كلمة العذاب كما قال ربنا سبحانه وتعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) فالله تعالى يأمرهم بالطاعة وأداء الحقوق إلى أهلها، ولكنهم يبخلون ويعصون الله تعالى كما نرى ونسمع الآن ما يفعلونه في كل مكان، فلقد ملأوا الأرض فساداً كما قال ربنا سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

وهنا يظهر معنى انتظار الفرج حقيقة وأنه فعل حضاري، لأنه ينقذ الحضارة من الهلاك والدَّمار الذي سينزل عليها كما نزل على المفسدين من قبل كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط وفرعون ونمرود وغيرهم من الطغاة، فاليوم على المنتظرين أن يقوموا بواجبهم المقدَّس، وأن يقفوا بوجه هذه الحرب الكونية الخشنة والناعمة، والساخنة والباردة، على القيم الدِّينية عامة والإسلامية خاصة، وبذلك ينتظرون بالصلاح والإصلاح لكل ما أفسده هؤلاء الأشقياء ويحضِّر نفسه ومجتمعه والناس لاستقبال ذلك المصلح الكوني، والقائد العالمي ليبني حضارة الإنسان والإنسانية بكل معنى الكلمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى