المهدوية وفكرة الحوار بين الأديان

الشيخ حاتم إسماعيل..
يبدو أن رسالة المهدوية قد لازمت الإنسان منذ بدايات وجوده، لكونها ترتبط ارتباطا مباشرا بفكرة الإنسان الكامل، الذي يحقق الخلافة الإلهية على الأرض، فيعمر الكون، ويعم السلام، وتتحقق العدالة، كما تدل عليه جملة من الآيات القرآنية المباركة.
لقد خلق الله تعالى الإنسان الأول كامل الأوصاف الإنسانية، بحيث عبر عنه تعالى بأنه بشر، وصح أن يباهي به الملائكة، فجعله خليفة له دونهم. إلا أن البعد المادي فيه لا يخلو من تأثيرعليه، فحصل في الأجيال اللاحقة عليه عنصر المادة في بعض أفراده، مما أدى إلى انتشار الفساد بنسب مختلفة، رغم بقاء العنصر العقلي والروحي مؤثرا فيه كذلك، مما أدى إلى التجاذب والتنافر بين البعدين ونشأت فكرة الإنتظار، وهذا ما نجده في مختلف الأديان السماوية والوضعية، وحتى منكرو الدين بالمعنى الخاص يؤمنون بهذه الفكرة بشكل أو بآخر، وآية ذلك أنا لا نجد فردا أو جماعة إلا ويسعى للكمال في مختلف أبعاد الشخصية الإنسانية، وعلى العموم يمكن القول أن المهدوية ملازمة للفطرة الإنسانية.
تمظهرات الفكرة
قد يبدو للوهلة الأولى أن ملازمة فكرة المهدوية للفطرة مجافية للحقيقة ومخالفة للواقع، خصوصا أن مختلف الملل، ومنها كثير من المسلمين، لا تؤمن بها، بل وتسخر من معتنقيها، والقائلين بها كما تشهد به الملاحظة الميدانية. إلا أن هذا التوهم سرعان ما يزول، إذا صرفنا النظر قليلا عن المصداق الخارجي لهذا المفهوم، بمعنى أننا لم نجمد على عنوان المهدي، ومن هو الشخص الذي يحقق هذا المصداق. على هذا الأساس يمكن أن نلاحظ أن هذه المسألة تتمظهر لدى الجماعات الإنسانية بأشكال مختلفة، ، فتارة تظهر بصورة فكرة كلية يطمح إليها الناس ويعنونها، مرة بالعدالة، وأخرى بالمعرفة، وثالثة بالسيطرة التامة والمطلقة على الكون، ورابعة بالفناء بالروح الكلي وغير ذلك. وتارة أخرى تتجاوز العنوان وتتحدث عن المصداق المحقق لهذا العنوان، فتارة يوصف بأنه المسيح أو المخلص، كما في اليهودية والمسيحية، وأخرى بأنه المهدي كما في الإسلام، وان وقع الإختلاف في شخص المصداق هل هو المسيح بن مريم(عليه السلام) أم مسيح آخر، وهل هو التاسع من ولد الحسين(عليه السلام) أم مهدي آخر من ولد فاطمة والحسين(صلى الله عليه وآله). إلا أن الجميع متفقون على العنوان العام، وهو خلاص البشرية، على يد إنسان كامل يحكم بينهم بالعدل، ويصل بالإنسان إلى ذروة الكمال، وأن كل ذلك يكون في آخر الزمان وبعد فشل التجارب الإنسانية، التي يمكن أن يتفتق عنها الذهن البشري عبر التاريخ.
في عقائد أهل الكتاب
إن خير مستند يمكن أن نستند إليه في بيان عقائدهم الأصلية هو الكتاب المقدس بعهديه –القديم والجديد- ذلك أنه وبعد عصر السيد المسيح(عليه السلام)، قد اضطرت الكنيسة لتغيير الكثير من عقائدها تحت ضغط الواقع، وعدم قدرتها على التعامل مع ما تدل عليه نصوصها المقدسة، التي أريد لها أن تكون محكومة لعقائدها القبلية، مع أن المنطق السليم يقضي بأن تكون هذه العقائد هي المحكومة للنصوص المقدسة. ومهما يكن من أمر، فإن اليهود كانوا ينتظرون مجيء من يخلصهم في آخر الزمان من الظلم الذي لحق بهم على مر التاريخ، وقد ظهرت الكثير من النصوص الدالة على هذه الفكرة في العهد القديم، وإن كان بعضها يحصر الخلاف والسيطرة لبني إسرائيل دون سواهم، بواسطة هذا المخلص. فنجد مثلا في سفر أشعياء قوله: ويخرج قضيب من جذع يسّى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب، ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضي بنظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه، بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفته، ويكون البر منطقة متينة والأمانة منطقة حقوية، فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معاً وصبي صغير يسوقها وأمثال هذا الحديث كثيرة في الأسفار النبوية في العهد القديم، أي تلك التي تتحدث عن آخر الزمان وفتنه السابقة على الخلاص النهائي.
في نصوص العهد الجديد
وأما في العهد الجديد فالنصوص الدالة على هذه الفكرة كثيرة جدا، إلى حد أن بناء الديانة المسيحية قائم عليها، بل إن مسيحانية السيد المسيح(عليه السلام) مستندة إليها، على نحو يكشف كشفا واقعيا عن مدى ارتباط اليهود وتعلقهم بها، حتى الذين قبلوا دعوة السيد المسيح(عليه السلام) منهم على أساس أنه مخلص آخر الزمان. ولا بد قبل بيان بعض النصوص من بيان المصطلح الذي يعتمده أهل الكتاب في التعامل مع هذه الفكرة، وهو مصطلح “المسيح”. فمن هو المسيح، وما هي دلالات المصطلح، وكيف يمكن التعامل مع النصوص الدالة عليه، فنقول: إن مصطلح المسيح في الكتاب المقدس قد استعمل للدلالة على النبوة والكهانة تارة، وعلى الحكم والملك تارة أخرى، فقد ورد مثلا قوله: فقال له الرب –أي لإيليا- اذهب راجعا في طريقك إلى برية دمشق، وادخل وامسح حزائيل على آرام، وامسح ياهو بن نمشي ملكا على إسرائيل، وامسح اليسع بن شافاط من آبل نبيا عوضا عنك، وقد أطلق لقب المسيح على كثير من الرجال، على داود، وعلى شاول، بل لقد أطلق على قورش ملك الفرس بأنه مسيح الرب وغلب مصطلح المسيح للدلالة على الملوك، دون أن تهجر دلالته على الكهنة والأنبياء، وصار من قبيل المشترك، الذي يحتاج في دلالته على المعنى المراد إلى قرينة خاصة، خصوصا أن الكتاب المقدس قد قسم المهام والمناصب بين الأسباط، ومنع المشاركة فيها من سبط لآخر.



