اخر الأخبار

حكاية عراقية صعبة التصديق

لأنها حكاية تُعَد بفعلِ غرابةِ مضمونها خارج المألوف، الَّذي أطاح بكبرياءِ بلد الحضارات والمقدسات وجعل قيادته تخفق في مهمةِ إخراج عسكر ( اردوغان ) الغازي بقصدِ تحقيق أحلامه المريضة في إعادةِ هيمنة الدولة العثمانية وأمجادها، الَّتِي كان الظلم والاستعباد والإذلال أبرز أعمدتها، أثارت استغرابي على الرغمِ من صعوبةِ هضمها أو تصديقها في بلدٍ مزقته المحاصصة فكان أنْ جعلتْ سلطاته عاجزة عن مكافحةِ الفساد ومحاسبة المفسدين والعابثين بأمنِ البلاد ومصالحها العليا.
الواقعة الَّتِي تناقلتها الوسائل الإعلامية باهتمامٍ بالغ تتحدث عن مواطنٍ عراقي من مواليدِ مدينة السماوة حصل على شهادةِ الدكتوراه في اختصاصِ الطب البيطري من إحدى الجامعات الألمانية نهاية ستينياتِ القرن الماضي، ثم ما لبث أنْ قادته مثابرته إلى امتطاءِ صهوة العلم، ليحقق نجاحات متميزة شهد لها أصحاب الشأن والاختصاص.
بعد سقوط النظام السابق والإعلان عن انهيارِ الدكتاتورية، اهتدى الرجل إلى قرارٍ نهائي يلزمه هجر ملاذ الغربة، الَّذي سخر له جميع متطلبات العيش الكريم والعودة إلى موطنِ الأهل وذكريات الصبا، لأجلِ مشاركة أبناء بلده بما يمتلكه من معرفةٍ وما حصل عليه من خبرةٍ جهودهم الرامية إلى إعادةِ إعمار البلاد وتأهيل بنيتها التحتية، الَّتِي دمرتها سنوات الحروب وأهوال الحصار، وما تبعها من عزلةٍ دولية وإقليمية تجاوزت عقداً من الزمان.
عند وصوله البلاد عمل تدريسياً على الملاكِ الجامعي، ثم أصبحت فرصته سانحة بعض الشيء لإنجازِ ما حمله على العودةِ لبلده حين جرى انتخابه عضواً في مجلسِ محافظة المثنى، إلا إنه سرعان ما اصطدم بالعديدِ من العقباتِ الَّتِي لم تكن يوماً من حساباتِه مثلما وصف تجربته في حكومةِ المثنى المحلية بالمريرة؛ بالنظرِ لعدمِ تعاون أعضاء المجلس مع ما كان يطرحه من رؤى وتوجهات بوسعِ آلياتهما التأسيس لمشروعٍ واعد من شأنِه المساهمة بنهضةِ المحافظة وتطوير خدماتها البلدية والاجتماعية، إلى جانبِ تنمية مواردها.
ولعلّ ما يثير الألم أنَّ رفضَ حكومة المثنى لما كان يطرحه من مقترحاتٍ يعود مثلما يؤكد إلى تعارضِها مع مصالحِ الكتل الحزبية، الأمر الَّذي حتم عليه الوقوف في الخطوطِ الأمامية للتظاهرات الشعبية، الَّتِي خرجت من رحمِ المعاناة مطالبة بمحاربةِ الفساد ومحاسبة المفسدين، بوصفِها آخر السبل المتاحة لمواجهةِ هذه المنظومة العابثة بمقدراتِ البلاد. وأدهى من ذلك قراره التنازل عن راتبِه كعضوِ مجلس محافظة واختيار راتبه التقاعدي كتدريسي في الجامعة، لتيقنه من عدمِ استحقاقه الراتب عن عملِه في حكومةٍ محلية ضعيفة الأداء، ولم تقدم ما يفترض من الإنجازاتِ لجماهيرِ المحافظة، فضلاً عن تغاضيها عن الهدرِ بالمالِ العام.
يشهد الله تبارك وتعالى على عدمِ معرفتي بهذا المواطن، ولم يسبق أنْ التقيت به أو بمن يعرفه، ولا تربطني به أي رابطة سوى رابطة الولاء والإخلاص لهذا الوطن، الَّذي ما يزال شعبه بانتظارِ من ينفض عنه رماد المعاناة.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى