اخر الأخباراوراق المراقب

أم الهيثم ورثاء أمير المؤمنين “ع”

أفي شهرِ الصـيـامِ فـجـعتمونا     بخيرِ الـنـاسِ‌ طرّاً أجمعينا

قـتـلتمْ خيـرَ من ركبَ المطايا     فذللّها ومن ركـبَ الـسـفينا

ومـن لبـسَ النعالَ ومن حذاها    ومن قـرأ المثـاني ‌والمئينا

وكـل مـنـاقـبِ الخـيـراتِ فـيه     وحبّ رسولِ ربِّ العالمينا

لقـد علمتْ قريشٌ حيث كانت     بـأنـكَ ‌خـيرَهـا حسباً ودينا

هذه الأبيات من قصيدة طويلة تعدّ مصداقاً للرثاء الحقيقي الذي قصده الجاحظ بقوله لمن سأله: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ فقال: لأننا نقول وأكبادنا تحترق، فقد تميّزت المراثي التي قيلت في الإمام أمير المؤمنين (ع) واستذكار حادثة استشهاده على أكثر عناصر الرثاء أصالة، فالتفجّع فيها صدر عن قلوب ولهى وعبرات حرى، واستذكار المآثر العظيمة التي تحلى بها (ع) فكانت مصدراً ومنبعاً للشاعر ليستقي منها.

وفضلاً عن تميّز تلك المراثي بصدق العاطفة المستندة إلى العقيدة التي ترسخت في أذهان وقلوب الشعراء عن مكانة أمير المؤمنين من رسول الله (ص) فقد امتزجت أيضاً باستذكار صفاته الذاتية العظيمة وإنسانيته الملائكية، فكان الرثاء فيه يصدر عن قلب ملتاع الزفرات ملتهب العبرات يستثير الدموع ويوقد اللوعة والحزن في النفوس.

وكان للشعر النسائي دور كبير في هذا الرثاء، ولو قُيّض لمن يجمع هذا الشعر الممزوج بالحب والوفاء لأمير المؤمنين (ع) من بطون الكتب ويلملم هذه الدرر من الأبيات المتناثرة هنا وهناك، فإنه بلا شك سيتحف المكتبة الإسلامية والعربية بمصدر غني ومنبع ثرٍ من موارد الثقافة والمعرفة وسيضيف إلى رصيدها الفكري رصيداً إبداعياً ولائياً خالصاً معبّقاً بأريج العقيدة.

فمن يتتبع هذه الشذرات الإيمانية يجد الكم الهائل منها وهي تمثّل آية من آيات البلاغة والفصاحة الممزوجة بدموع الألم والحزن على هذه المصيبة، كما يجد كثيراً من أسماء الشاعرات اللواتي تفطرت قلوبهن على فقد سيدهن أمير المؤمنين، كما لم تخلُ تلك المراثي من نبرة السخط والغضب ضد أعداء أمير المؤمنين وعلى رأسهم معاوية.

ومن الشخصيات النسوية العظيمة التي كان لها دور في نصرة ورثاء أمير المؤمنين في مواقفها وشعرها السيدة أم الهيثم بنت الأسود النخعية، وقد اختلف المؤرخون في نسبة القصيدة، ولكن القول الراجح هو أنها لأم الهيثم كما قال بذلك السيد محسن الأمين حيث يقول في ترجمتها:

والذي عثرنا عليه من شعرها هو قصيدة ترثي بها أمير المؤمنين علياً. وقد اختلفت رواية الرواة في هذه القصيدة اختلافاً كثيراً، ويظهر أنه وقع خلط من المؤرخين بين هذه القصيدة وقصيدة أبي الأسود الدؤلي التي هي على وزنها وقافيتها، حتى أن القصيدة المنسوبة إلى أم الهيثم نسبها بعضهم بتمامها إلى أبي الأسود.

والظاهر أنه لاتحاد الوزن والقافية بين القصيدتين أدخل شيئا من قصيدة أم الهيثم في قصيدة أبي الأسود وبالعكس اشتباهاً كما وقع نظير ذلك في ميمية الفرزدق في مدح زين العابدين وميمية أخرى للحزين الليثي الكناني، وقد ذكر هذه القصيدة صاحب الاستيعاب وتبعه صاحب اُسد الغابة. ثم يعزو السيد الأمين هذا الاختلاف في الأسماء بقوله: ولعلها نسبت تارة إلى أبيها وأخرى إلى جدها، ولكنه في الأخير يجزم أنها لها لاتفاق أغلب المصادر على ذلك.

ويقول أيضاً في ترجمة أم الهيثم: تابعية من أصحاب أمير المؤمنين وشيعته، شاعرة، ولم نجد من ذكرها باسم غير أم الهيثم، ولعل اسمها كنيتها أو اشتهرت بالكنية، وقد اختلفت كلماتهم ــ أي المؤرخين ــ في اسم أبيها: فالمفيد في الإرشاد وأبو مخنف، كما أورد عنهما أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين قالا: أم الهيثم بنت الأسود النخعية. وابن عبد البر في الاستيعاب وابن الأثير في اُسد الغابة، قالا: أم الهيثم بنت العريان النخعية، وابن حجر في الإصابة، قال: أم الهيثم النخعية.

وقد اشتهرت أم الهيثم بقصيدتها المفجعة في رثاء أمير المؤمنين والتي تعد من فضليات الشعر النسائي في التاريخ الإسلامي، وسيرى القارئ آيات البلاغة وسمو المعنى في ثناياها، كما يجد عميق الألم والحزن على فقد أمير المؤمنين بين سطورها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى