الإرهاب والترويع الصدامي في رواية “تفضل معنا و..”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …
يرى الناقد حميد الحريزي، ان رواية (تفضل معنا و..) للروائي مهدي زبين تمثل، حالات الخوف والارهاب والترويع التي عاشها المواطن العراقي في ظل القمع الصدامي.
وقال الحريزي في قراءة خصَّ بها “المراقب العراقي”: ان “الروائي مهدي علي إزبين، هو واحد من الروائيين الذين لا يحتفظون في رواياتهم سوى ميزة واحدة، أو لا يكرر في رواياته إلا ميزة واحدة تميزه عن سواه، ألا وهي ميزة بث الحياة والحركة وأنسنة المفردة، فيتلقاها القارئ كروح منظورة وليس كحروف مسطورة، انه أسلوب (السرد الناطق).
وأضاف: ان رواية (تفضل معنا و..) هي توصيف لحالات واستعمالات وصور عبارة ((تفضل معنا)) العبارة ذات الاستعمالات المختلفة حسب المكان والزمان والواقع المعاش، وحسب الفرد الناطق بهذه العبارة، فعلى الرغم من كونها عبارة تحمل قدراً من الاحترام والاحتشام والتقدير والتوقير للمخاطب للداعي وللمستدعى، ففي مجتمعنا لها دلالات مختلفة منه:- الدلالة على المجهول الدال على الخوف والارهاب والترويع حينما يكون الداعي رجل أمن في بلد اللا قانون، سواءً أكان في الشارع أو البيت أو محل العمل، دون ان يكون لك في طرح اسئلة من انت، لماذا والى أين؟ فالسؤال ممنوع والعتب مرفوع في بلد الخوف والقهر والخنوع”.
وتابع: ((تفضل معي)) كما حصل مع عامل الاخشاب وصاحبه واقتياده الى دائرة الامن واتهامهم بسرقة سيارة الاخشاب التي تعود لصديق المسؤول، فلابد من القبض على فاعل كائن من يكون ولا يهم ان يكون بريئاً ولا علاقة له بالتهمة، المهم ارضاء المسؤول واثبات الجدارة، دون أي احساس بالذنب أو تأنيب الضمير حتى ان أدت التهمة الملفقة التي يجبر البريء الاتهام بها تحت التعذيب الى الاعدام حيث سيكون راضيا بالإعدام كخلاص من شدة التعذيب، المؤلم ايضا هو موقف الناس في مجتمع الخوف والخنوع هو تأييدهم لفعل السلطات القمعية والامنية دون علم بمجريات الحدث فالسلطة هي الاعلم وهي صاحبة الحق المطلق ولا يمكن الاعتراض أو التساؤل ((تتخاطف اصوات صبية ورجال تشفي بنا: “حيل بيهم” و “عاشت ايديكم” منصورين ..( حيل بيهم ذولة الارهابية … )) ص27-28 فالروائي هنا يوجه سهام النقد واللوم اللاذع الى مثل هذه السلوكيات العدوانية التي زرعتها سلطة الخوف في نفوس العامة من الناس”.
وأكمل: ((تفضل معنا)) الاستاذ يريدك في المنظمة الحزبية، هنا تظهر لنا العبودية والخنوع من قبل ((الرفاق)) أمام مسؤولهم المتغطرس (جبتوه)) فيأتي الحواب ((نعم رفيق (شنو) يعصي على الحزب؟) ص39 . وبعد ذلك يتحولون الى فئران مهانة حينما يتصاغر مسؤولهم امام ورقة يبدو انها ممهورة بمهر مسؤول كبير، يوجه اللوم للرفاق ((والله انوب اللي يتعرضله ميلوم الا نفسه، يلله ولو منا)) حتى انه لم يدقق في الورقة كونها منتهية المفعول وأتت بطريق الصدفة في يد ((المتهم)) بمناكدة الحزب والثورة، هذه صورة للشخصيات الكارتونية المتنمرة على الناس والمتصاغرة أمام الأسياد، صورة لذكاء وفطنة الفرد العراقي وضحكه على ذقون أهل السلطة وزبانيتها.
وأوضح: “عبر ما تقدم فالرواية تكاد تكون مجموعة من القصص القصيرة يربطها رباط واحد فيلبسها ثوب الرواية ألا وهو عبارة ((تفضل معنا)) بمختلف تجلياتها المؤلمة المرعبة، المدهشة، غير المتوقعة الساخرة من الذات ومن الآخر، افرادا أو سلطات، قيما وسلوكا وممارسات وقد حملت هذه القصص أجمل ميزة من ميزات القصة القصيرة وملاحتها ألا وهي القفلة أو الخاتمة الصادمة المدهشة”.
وبين: أن “مهدي زبين لا يمارس السرد الخيطي المتسلسل متنكرا لحكايا الاجداد والجدات و(سوالفهم) التي كانت تشدنا صغارا في ليالي الشتاء الجميلة ونحن نتحلق حول منقلة الحطب ونتعطر برائحة مسك الجدات ورائحة الشاي المهيل، يقطع الصور ويعرض سلسلة متناثرة الأجزاء لحياة انسانية معاشة، لناس فقراء، بسطاء، محايدين حرمتهم سطوة سلطات ظالمة وأعراف بالية وقهر الفاقة والعوز من نعمة الأمان والإحساس بقيمة الذات وصيانة الكرامة”.
وواصل: “لو اقتطعنا احد هذه القصص فستكون مكتملة ولا تحتاج لاستكمال بنيتها السردية وحبكتها الى استدعاء القصص الاخرى في الرواية، انها محاولة لعرض بانورامي لصور وممارسات وتجسيدات وتمظهرات الـ((تفضل معنا و…)) في حياتنا الاجتماعية المعاشة، يمكن للقاري ان يضيف المزيد من تمظهرات ((تفضل معنا و..)) مثلا ((تفضل معنا)) لتناول وجبة طعام في مطعم فاخر ونحن نعاني من الافلاس المزمن، ولكن الداعي المتفضل يتسلل الى خارج المطعم ولا يدفع الحساب ونقع نحن في المصيدة، وتفضل معنا لحسناء تنتهي بكمين فنكون فريسة للضرب والابتزاز ودفع الغرامات، وتفضل معنا لتصريف وتبادل بعرض مغري لعملة بأخرى لنتبين بعد حين انها عملة مزيفة وهناك الكثير من المشاهد”.
ولفت الى ان “الأمر الرئيس الذي أكد عليه الروائي ان هذه ((التفضل معنا)) غلفتها السلطات بالخوف وحرمة ورهبة السؤال والتساؤل وهي صفة وتوصيف الانظمة الدكتاتورية في حياتنا اليومية”.
وختم: “تفضل معنا” يا لها من جملة أنيقة، لكنها توحي باتجاهات متناقضة، ظاهرها يساير اللطافة واللياقة العالية، كأن احدا يدعوك الى وليمة أو نزهة، أو مناسبة عزيزة، أو تعني قصدا مغايرا، يفسره سياق الموقف، أنت تحدد صيغة العبارة وكيفية القائها، وتوصيلها الى تأويل يطابق التهديد”.



