من الماضي القريب العثمانيون يخيرون أهالي بغداد إما الإستجابة للأوامر السلطانية والعفو وإما العصيان والعقاب

ترك علي رضا مدينة الموصل في الثالث والعشرين من آيار عام 1831، قاصدا بغداد، لاسقاط حكم المماليك المتمثل بداود باشا والي بغداد الشهير،على رأس كتيبتين من الخيالة وفوجين من المشاة، فضلاً عن إثني عشر آلفاً من الجند غير النظاميين، وعندما واتته أخبار بغداد ، اتجه نحو أربيل، كاتما الخبر عن قواته، ثم أسرع في المسير نحو بغداد، وعندما وصل ضواحيها في 8 تموز وجدها محصنة.
كانت حراسة أبوابها قد أنيطت بمن بقي من قوات داود النظامية وكانوا نحو (500) مقاتل، مع نحو (600) الى (700) من الخيالة، فضلاً عن أفراد العشائر من العقيليين الذين كُلِّفُوا بحراسة باب الأمام موسى الكاظم تحت قيادة سليمان أغا. وكلف نحو (500) مقاتل، بقيادة محمد أغا بحماية باب الكريمات، بينما كلف المُلَّا حسين رئيس الحشامات، بقيادة القوات الموجودة في القلعة. ولم تكن قوات علي رضا كافية لاقتحام بغداد، فاضطر الى محاصرتها حصارا مهلهلا.
وبمرور الأيام، أخذت الضائقة تشتد على الأهالي في بغداد، وترتفع الأسعار في أسواقها باستمرار، وتسير المدينة نحو المجاعة، فاجتمع الوجوه من الأهالي ورؤساء الوحدات العسكرية مع القائمقام صالح أغا، وتشاوروا في إيجاد الحلول للمشكلة التي وقعوا فيها. وقد أشار الجنرال الفرنسي ديفو الى إمكانية محو قوات علي رضا بهجوم مباغت، إلا أن مقترحه رفض من درويش أغا، الذي نبه إلى مغبة الإقدام على مثل هذا الأمر قبل ورود جواب السلطان على طلبات أهالي بغداد الخاصة بتبديل علي رضا بوال آخر. فاستقر الأمر على ضرب قوات سليمان الغنام، وعهدت قيادة الحملة للجنرال ديفو.
شن ديفو هجوما على جبهة سليمان الغنام بقوة تتألف من مدفعين، وفوج مشاة مؤلف من (500) رجل، مع أعداد من قوات عقيل، ونحو (500) من قوات الهايتة، فضلاً عن (1500) شخص من أهالي الكرخ، فأوقعوا به خسائر كبيرة، تقدر بنحو مئتين من القتلى، ومثلهم من الأسرى وفرّ الباقون، وانتهبت خيامهم وأمتعتهم، وبعد أن تشجع المدافعون بهذا النجاح، شنوا هجوماً غير منظم على معسكر علي رضا في الأعظمية أسفر عن تدمير طابيتين، ثم اضطرت القوة المهاجمة الى الفرار أمام حضيرة من الخيالة .
ومع مرور الوقت ساء الوضع المعيشي للسكان، مما هيأ لعلي رضا الفرصة ليس لكسب بعض وجهاء بغداد فحسب، بل لكسب أعداد غفيرة من جنودها أيضاً، فقد كسب علي رضا الى جانبه أحمد أفندي خطيب الروضة الأعظمية، والشخصية البغدادية المؤثرة في المجتمع عبد الرحمن الأورفلي، وفي الوقت نفسه أخذ الجنود يهربون الى الجانب المعادي يومياً.
ومن الجدير بالذكر أن علي رضا وجنوده لم يكونوا في وضع أفضل كثيراً من المحاصرين، سوى ما كان يتمتع به علي رضا من المزايا التي خوله إياها الفرمان السلطاني الذي يحمله، وهو أمر يحسب له المواطنون حساباً، كما كانت لديه القدرة على إعطاء الوعود المطلقة أيضاً. فقد أخذت قوات علي رضا تسأم القتال، في وقت إنصرمت فيه ايام الخريف، وبدأ الشتاء ينذرهم بالبرد والمطر، لذا تصرف بذكاء، فأكد للماليك أنه يرمي إلى إقصاء داود باشا ثم يعود الى حيث يريد، مما حملهم على الاعتقاد بأن مهمة علي رضا باشا تستهدف إعادة المماليك الى عظمتهم السالفة بإشراف ثانٍ.
وعندما أجاز الباب العالي لعلي رضا العودة الى استانبول، والعفو عن داود باشا، إذا لم يزل مخفقاً في تحقيق أهداف حملته، أخفى الأمر عن أهالي بغداد الذين كانوا يترقبون العفو عن واليهم المتمرد، فدعا وجهاء بغداد للتفاوض، وأبلغ ممثلهم ملا حسين، بأن أمراً سلطانياً قد ورده، ينص على عدم رضا السلطان منه إلا دخول بغداد، لذا فأمام أهل بغداد خياران لا ثالث لهما: إمّا الاستجابة للأوامر السلطانية والعفو وإما العصيان فالعقاب .




