اخر الأخبار

تيتو شخصية وحدت يوغسلافيا وجمعت الشرق والغرب في الحرب الباردة

التلا

كل الصحف تتحدث عن يوغسلافيا!.. وكل الكتاب يكتبون عن الماريشال تيتو!.. وكل العالم يراقب ما يحدث وراء اسوار هذه الدولة التي اصبحت اكثر دول شرق اوروبا دويا!.. ان عدد سكانها لا يزيد على 16 مليون نسمة!.. ومع ذلك فان الجميع يتحدثون عنها!.. وعدد سكان بولندا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا يزيد على عدد سكان يوغسلافيا بحوالي 37 مليون نسمة.. ومع ذلك فالجميع يتحدث عن يوغسلافيا.. ولا احد يتحدث عن بولندا او تشيكوسلوفاكيا او رومانيا!
لماذا؟.. لان يوغسلافيا احدثت من الضجيج والصخب ما لم تحدثه دولة اخرى!.. وليس هذا بجديد عليها.. فقد احدثت ضجيجا وصخبا مماثلين في عام 1941! وكان المارشال”تيتو”الذي يحدث الصخب والضجيج اليوم هو نفس الشخص الذي احدث الضجة في عام 1941، مع فارق واحد هو ان”تيتو”1941 كان شخصا مغمورا لايعرف عنه العالم اكثر من انه يتزعم مقاومة الالمانيين والايطاليين ويقض مضاجع رجال الجستايو.. ولمع نجم”تيتو”المغمور وبدا الجميع يتحدثون عن مغامراته ونضاله!.. وكما يحدث عادة كلما لمع نجم جديد، بدأ الصحفيون والساسة يحاولون معرفة كل شيء عن تيتو!.. عرفوا انه ثائر، وانه مكافح، وانه ذو عقلية منظمة وانه وهذا اهم مافي الامر – شيوعي!..
ولفت الرجل الشيوعي الثائر نظر تشرشل فراح الزعيم الانجليزي المحافظ يهتم بامره!.. قال تشرشل ان تيتو شيوعي ولكنه يعلن حرب العصابات على ألمانيا قبل ان تحدد روسيا موقفها من الحرب.. فمن الحكمة تتبع سياسته لانها ستكون بمثابة المؤشر الذي يشير الى الاحداث المقبلة!.. وقال تشرشل ان تيتو محبوب من العمال والفلاحين، ولذلك فمن الممكن تشجيعه!.. واخيرا – وهذا هو المهم ايضا – قال تشرشل ان تيتو جعل من نفسه جلادا وجزاراً للالمانيين.. ولذلك فمن الواجب الاعتماد عليه في استئصال شأفة البرابرة الالمان!
وهكذا اصبح”تيتو”المغمور رجلاً مشهوراً يتحدث عنه اقطاب السياسة في العالم!.. وارسل تشرشل بعثة عسكرية هبطت في يوغسلافيا بالمظلات لدراسة الحالة فيها.. ودرست البعثة الحالة هناك وشجع تشرشل تيتو فاصبح ذلك الرجل بطل الساعة!..
وحتى هذا المجد كله يمكننا ان ندعه جانبا، فانه تاريخ قديم.. قديم جداً اذا قيس بالامجاد الجديدة التي احرزها تيتو!.. ان تيتو.. ذلك الرجل الذي فرض نفسه على ساسة العالم في 1941 عاد ففرض نفسه على العالم مرة اخرى بصورة اقوى واعنف!.. لقد فعل ما لم يفعله اي زعيم في شرق اوروبا.. تحدى ستالين ولم يكن في نضاله جبانا او خائراً..
ولهذا النضال قصة متعددة الفصول فيها ما يثير الاشفاق وفيها ما يثير الاعجاب!.. ولقد بدأت القصة في عام 1948!.. ففي ذلك العام راج بين الدوائر السياسية في شتى انحاء العالم همس لا يكاد يسمع يقول ان الحزب الشيوعي اليوغسلافي بداً يتحرر من سيطرة الحزب الشيوعي الروسي!.. وكان ذلك الهمس خافتا فلم يبلغ آذان الكثيرين!.. وحتى اولئك الذين بلغ الهمس اسماعهم كانوا يتشككون في ما يسمعون! كانوا يقولون انها خدعة شيوعية لجأت اليها روسيا لتدخل في روع الرأي العام العالمي انها لا تفرض سيطرتها على الدول الشيوعية!.. وكانوا يقولون انها حيلة بارعة عمد اليها ستالين ليخفي القبضة الحديدية التي يحكم بها اوروبا الشرقية، في قفاز من حرير!.. ومع ذلك ارتفع الهمس وعلا.. واشتدت اللهجة قوة وعنفاً.. وبدأ الناس يسمعون الفاظا جارحة يتبادلها الحزبان الشيوعيان في موسكو وبلغراد.. لقد كانت قصة القطيعة بين روسيا ويوغسلافيا صحيحة!..
واتهم الروس تيتو في بادئ الامر بانه متعجرف لانه كان يتحدث عن نفسه كما لو كان نداً لستالين!.. وكان ذلك الامر حريا بان يغضب روسيا التي لا تريد ان تعدّ أي دولة شيوعية نفسها ندا للاتحاد السوفياتي!.. وغضب تيتو كذلك لانه عز عليه ان تتعالى روسيا هكذا وتشمخ بانفها!..
وكما اتهمت روسيا الماريشال تيتو بانه”متعجرف”اتهمها تيتو بانها تكاد تذهب فريسة للانفعالات النفسية التي تنتاب كل شخص يصاب بجنون العظمة!.. وكان ذلك الذي يقوله الماريشال تيتو ردا قويا ومؤدبا في الوقت نفسه!..
فقد اراد ان يقول بأسلوب غير جارح ان روسيا استعمارية وانها تريد من يوغسلافيا ان ترقص على الانغام التي تتصاعد من موسكو!..
واحتدم النزاع وقويت حدته وحرارته واتسمت الاوصاف والنعوت التي كان الطرفان يتبادلانها بميسم جديد.. فبعد ان كانت روسيا تصف تيتو بانه متعجرف بدأت تصفه بانه منحرف ومخدوع في قوته!.. ثم اتهمت روسا يوغسلافيا انها تتباهى كذبا بما يخيل اليها انها احرزته من مجد وبطولة!.. وكان حريا ان يجرح ذلك الكلام شعور اولئك الذين ضحوا في يوغسلافيا. ومن هنا اتخذ النزاع بين تيتو والساسة الروس مظهرا جديداً!.. لقد اصبح صراعا بين شعبين.. الشعب الروسي والشعب اليوغسلافي!.
وفي آيار من عام 1948 تطاير اللهب الذي كان مختفياً وراء الرماد.. وتمت القطيعة بين روسيا ويوغسلافيا!..
فقد رفض الماريشال تيتو الاشتراك في اجتماع الكومنفورم (المكتب الشيوعي الدولي) على الرغم من توجيه دعوة رسمية اليه!.. وقال يبرر رفض الدعوة ان روسيا اصدرت حكمها عليه ولذلك فمن العبث ان يذهب الى الكومنفورم ليستمع الى نفس الاتهامات او ليرد عليها!..
وهكذا قاطع الماريشال تيتو الاجتماع!.. وكان ذلك بناء على رغبة الحزب الشيوعي اليوغسلافي!.. وكانت هذه الخطوة عملا جريئا بغير جدال.. فقد تحدى تيتو الاعزل الضعيف ستالين القوي الجبار!
وتحدت يوغسلافيا الصغيرة المسكينة كل دول الكومنفورم.. البانيا وبلغاريا والمجر ورومانيا!. تحدت يوغوسلافيا كل هذه الدول التي تتاخم حدودها دون ان يأخذها في ذلك خوف او رعب!..
وبدأت”الحرب الباردة”بين المعسكرين:المعسكر الروسي والمعسكر اليوغسلافي!..
وراحت البانيا وبلغاريا والمجر ورومانيا تضيق الخناق على يوغسلافيا وتضغط عليها بعنف وفسوة.. وبدا ساسة هذه الدول جميعا يوجهون اللطمات الى الماريشال تيتو!..
ولكن تيتو رد الصاع صاعين، والكيل كيلين.. كما صعدت يوغسلافيا ولم تحفل بعداء”جاراتها”لها!.
وهكذا صمد”تيتو”العزل امام ستالين القوي!.. ولم يسقط حصن تيتو فاستبدت الدهشة بالمراقبين السياسيين في كل مكان!.. كيف قدر لهذا الرجل الاعزل ان يصمد؟. وكيف حاقت الهزيمة بستالين القوي!..
ولقد تساءلت عن ذلك كله مع المتسائلين وفي بلغراد وجدت الجواب!.. قيل لي ان روسيا اخطأت التقدير والحساب!.. لقد قال لها وكلاؤها – وكذبوا في ما قالوا – ان الشعب اليوغسلافي كله يعشق ستالين لفرط ما هو شيوعي!.. وقالوا لها ان الحزب الشيوعي اليوغسلافي لا يسير وراء ستالين وما تيتو الا ظل ستالين على ارض يوغسلافيا!.. وقالوا لها ايضا ان عمر تيتو لن يطول وان نجمه لا بد منطفئ وان كلمات قليلة تنطلق من افواه زعماء الشيوعية في روسيا ستكون بمثابة المعول الذي يحطم بناء تيتو المتداعي!.. وصدقت روسيا هذه الاكاذيب العريضة وانطلقت من افواه زعماء الشيوعية مجلدات لا كلمات ولكن تيتو لم يسقط!.. بل زاد علوا ومكانه!.
لماذا؟ لان الشعب اليوغسلافي لا يسير وراء ستالين كما زعم وكلاء موسكو، وانما يسير وراء تيتو، ولان الشيوعيين اليوغسلافيين تجري في عروقهم الدماء اليوغسلافية لا الدماء الروسية، ولأن يوغسلافيا التي كانت تضرب دائما المثل في السعي وراء الاستقلال والتحرر لم تخنها شجاعتها في هذه المرة، وانما تلمست استقلالها في غمرة هذا النزاع، فحملت تيتو على الاعناق لانه يحمل علم الاستقلال وداست على ستالين لانه اراد ان يدوس على استقلال يوغسلافيا!..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى