فيلم «حكايات الغريب» أسلوب جديد في إظهار بطولات حرب تشرين

كمال القاضي..
بعيداً عن أجواء الحرب والقتال ودماء الشهداء وإنجازات الأبطال، جاء التوظيف الإنساني لقصة الكاتب الراحل جمال الغيطاني «حكايات الغريب» قبل عدة سنوات، ترجمة صريحة لتفاعل المواطن المصري في الجبهة الداخلية مع حرب تشرين الأول بشكل تجاوز كل الصيغ التقليدية المُتعارف عليها في التناول السينمائي للأحداث الجسام، فلم تتبع المخرجة إنعام محمد علي الأسلوب المُعتاد في إظهار البطولات الحربية، كما ورد في الأفلام المحدودة المحفوظة عن ظهر قلب بأحداثها، وأبطالها، وتواريخ إنتاجها وعرضها. لقد حاكت المخرجة أسلوب التورية والإسقاط الرمزي الذي اتبعه كاتب القصة فجاء الطواف حول الأحداث والشخصيات كأنه عرض بانورامي فلسفي لحكايات وتفاصيل زخرت بها مدينة السويس في أيام الحرب التي دارت رحاها بقسوة بين سكان المدينة الباسلة، وسائر مُدن القناة على مستوى آخر خارج نطاق القتال والمواجهة بين الجندي المصري وعدوه الصهيوني.
انتقال الصراع من ساحة المعركة إلى الجبهة الداخلية، كان فعلاً مقصوداً عمد فيه الكاتب إلى توسيع زاوية الرؤية لتشمل كل أوجه الحياة، لمن يُريد أن يرى الحرب على حقيقتها بكل تأثيراتها المُجتمعية والنفسية والإنسانية، لذلك اعتنى السيناريست محمد حلمي هلال برصد تداعيات نكسة حزيران والتركيز عليها درامياً، باعتبارها نقطة ضعف وإشارة قوية إلى الفترة الحرجة شديدة الوطأة التي سبقت حرب الاستنزاف، كتمهيد لحرب أكتوبر.
ولم تكن هذه الطريقة في سرد الوقائع سوى حيلة إبداعية استهدف منها السيناريست إبراز الجانب المأساوي في أحداث فيلم «حكايات الغريب» كاجترار للآلام وهو نوع من التأثير الدرامي المطلوب لتعظيم قيمة النصر والإحساس به. وبالفعل نجح هلال مع إنعام محمد علي في الوصول إلى عمق الفكرة الرئيسية، وزخم الحكايات المؤثرة والحواديت المتواترة على ألسنة الشهود العيان، حول طبيعة وشخصية ووظيفة الغريب الذي حمل أكثر من اسم وأكثر من صفة كإشارات واضحة لعمومية المعنى الدال على شخصية البطل.
لقد طرح فيلم «حكايات الغريب» العديد من الصور المُتوافقة والمُتناقضة في تداخل فني وإبداعي كشف الكثير من الأسرار المُختبئة عن الأبطال النبلاء والخُبثاء ما بين انتهازيين ووطنيين وفئة أخرى بسيطة تعيش يوماً بيوم، فهناك من حمل عبء الحرب وتكبد عناء الهزيمة وكافح من أجل الوصول للنصر. وهناك صنف من البشر اعتبر أيام الحرب فرصة للاستغلال وجمع الثروة، باحتكار السلع التموينية وبيعها في السوق السوداء، كالشخصية التي جسدها حسين الإمام ووجدت رفضاً من كل المُحيطين إلا المُستفيدين الذي هم على شاكلته. كذلك تركت الحرب آثاراً سلبية في نفوس المُرهفين أمثال الشاب الطموح، الذي أدى دورة محمود الجندي، غير أن العسكري المُقاتل شريف منير ظل مؤمناً بضرورة القتال والنصر، حتى أتاه اليقين في السادس من أكتوبر عام 1973 فاشتدت عزيمته وزادت قوته وعاد من جبهة القتال ليُصلح ما فسد في الجبهة الداخلية، ويقضي على رموز الاستغلال ويُخلص شقيقته جميلة من أيدي زوجها الجشع الانتهازي البغيض.



