لوحات كاظم إبراهيم.. أرشفة لأحداث سياسية وثقافية عراقية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد جاسم عاصي، إن لوحات الفنان التشكيلي كاظم إبراهيم، هي أرشفة لأحداث سياسية وثقافية واجتماعية عراقية.
وقال عاصي في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: إن “التقنية تعني الاهتمام بإخراج مفردات اللوحة، والصعود بمكوناتها بشكل يوحي بضبط الحركة والخطوط والألوان والعلاقات الموصولة على السطح، وتعميق الأداء والوظيفة الغنية، وذلك بإجراء تحولات تضبط العرض والتسيّد، لأن لوحات الفنان كاظم إبراهيم هي ناتج خبرة طويلة في الرسم، معتمدة تراكما كميا فنيا ومعرفيا منذ سبعينيات القرن الماضي، أدى ذلك إلى تراكم نوعي، هذا العطاء والدأب خضع أيضاً إلى معارف واسعة، سواءً في تلقي مفردات الثقافة والمعرفة لتشكيل شخصية مزدوجة التركيب، فناً، ومعرفة، ثم ممارسة الكتابة، خاصة السرد”.
وأضاف: إن “العشوائية وانفلات الفرشاة غير وارد من خلال ناتج اللوحة، وإنما الذي يتجسّد محض ضبط فني محكم، مدعوم برصانة فكرية، فهو كإنسان وفنان لم ينزع رداء الانتماء إلى حقيقة الحياة وجدليتها، بل التزم بمشروعها الخاص والعام، هذا الدأب دفعه كما ذكرنا إلى القلة في الإنتاج، القلة المؤدية إلى الكثرة في النوع، بمعنى تعميق تلك المكونات التي نمت وتطورت على هدوء التجربة وصبرها، إنه كفنان ينتمي إلى الرعيل الذي ظهر في الستينيات واكتسب أخلاقية الفن ممن عاصرهم، وتطور على وفق أخلاقية الفن في السبعينيات، الفترة التي شهدت متغيرات وأحداث على كل الصُعد، خاصة السياسية والاقتصادية والثقافية وأسهم من خلال لوحاته في أرشفة هذه الأحداث”.
وأشار الى إن “كاظم إبراهيم من جيل حرص على تأسيس هويته الفنية وملامح بيّنة الشكل والمعنى فيها من جهة أُخرى، وعلى قلة ما بيدنا من نماذج له، إلا أننا بالإمكان الاكتفاء بالقليل المعبّرـ لذا ستكون قراءتنا منضبطة على وفق خصائص استعمالاته لمكونات اللوحة، وما تؤديه من وظيفة تعكس معنى كلياً ضمن معانٍ موزعة على السطح”.
وتابع: إن “الفنان مولع بالبنى الفكرية للظواهر، فهو يرسمها ويعكسها تشكيلياً بعلامات وبنيات دالة، لاسيّما تركيبة محتويات السطح التي تُميّز هوية الفنان الجمالية ـ الفكرية، فهو ليس إزاء فعل عكس مرائيه، وإنما وضع رموزاً وعلامات تعكس مبررات حدوث مجريات تلك الظواهر، هذه الظواهر تعكسها العنونة التي اعتمدها الفنان للإعلان عن طبيعة ما تحتويه لوحات المعرض، فإعلان مثل (نوافذ الأُفق البعيد) كما احتواه (الفولدر)، يعني تركيبة تخص ملخص ما يُعرض، وهو شأن يخص مساحة الرؤى التي يطل باتجاهها من خلال نوافذ، وهي أيضاً بعيدة الأُفق في تحديد للرؤية، والبعيد هنا تحديد نوع من استحالة الوصول، وكل هذه التركيبة تنطوي على رؤية فكرية واضحة، تكشفها تفاصيل لوحات المعرض“.
وأوضح: “أما المثال الثاني فهو (أشرعة المدن البعيدة)، إذ نعتقد أنه عنوان واسع الدلالة، لارتباطه بأكثر من معنى، فـ(الأشرعة) ترتبط بمطلق كالبحر، أي يعني نوعاً من الشروع وليس الاستسلام والنكوص، وارتبط هذا مع المدن ـ الحلم، أي أن ثمة انتظاراً للوصول إلى المرتقب، وهي بلاغة لغوية تفتح الأُفق لبلاغة تشكيلية، والملاحظ على العنوان ككل يُشير إلى التمسك والإمساك برسالة مستقبلية”.
وبيّن، إن “التداخل في مكونات اللوحة قد أدى إلى خلق نوع من الصرامة والتراصّ بين الأجزاء المعبرة عن مكونات رؤيوية تُشير إلى جدلية تلك العلاقة، لأن الوحدات المنفردة في ذاتها تُعطي معنى خاصاً، وباجتماعها تمنحنا معنى كبيراً دالاً على أن محتوى اللوحة إنما يُحاكي ويطرح بنية فكرية بجمالية تشكيلية، تُظهر بقدر ما تخفي من سمات، غير أن دراسة الأجزاء يؤدي إلى طرح سردية تشكيلية محكمة وملتزمة بالعلامات التي تحكمها شدة تعتيق اللون وسماته الفنية الصارمة، لقد عبّر التآلف اللوني عن مستوى خلق الانسجام من جهة، وإثراء المعنى، بما يطرحه من تعبير تؤديه تأشيرات اللون والكتل ذات الصيرورة المعبرة عن أفعال ترتبط بالواقع من جانب الفكر في رؤيته وطرحه، فهو حريص على فنية العطاء، والابتعاد عن المباشرة في طرح أفكاره عبر الفن”.
وأكمل: إن “استعمال العلامات التي تقترب من هندسة الشكل، لكنها تنتمي إلى الكُتل اللونية المدروسة، فمعبر الألوان في قاموس الفنان قادر على طرح البنية الأساسية في وظيفة لوحته، وهي في مجملها تعكس نوعاً من الاستلاب الاجتماعي والسياسي، فاللون برغم صرامة تشكيله وتعتيقه، إلا أنه يبدو ممتلكاً أناقة اللون ورشاقة ما يُجسده من معانٍ”.
وختم: إن “الفنان يتعامل عبر ذاكرته المحتشدة مع ما هو مؤثر ومغيّر لبنية التاريخ، لتدوين تاريخ الأفراد والجماعات، لعل ما ذكرناه عن المرأة، ينطبق على هذه الظاهرة، وفنان مثل كاظم إبراهيم قادر على توظيف مفردات ذاكرته بروح الجدلية الفنية التي تعمل على تقريب المتشابهات والمختلفات، بروحية فنية دون الإعلان المباشر، فهي تتناول هذا ضمن دائرة فكرية تصوغ حراكها على وفق فنية عالية، ومن هذه الظواهر الفنية، نبرز تقاربه وتجاوره شكلاً مع جداريات الموروث القديم، فهو إنما ينحت على جدار وليس على قماش، ففي أُسلوبه في التعامل مع اللون حرفة الفنان والمدون القديم في الحضارات القديمة، فألوانه معتقة وتميل إلى الدكنة التي توحي بالقِدَم”.



