اخر الأخباراوراق المراقب

محطات من حياة الإمام الحسن “عليه السلام”

مرّت حياة الإمام الحسن “عليه السلام” بمراحل عديدة، ومحطات مهمة كان أبرزها قضية الصلح مع معاوية لعنة الله عليه، والتي اعتبرها البعض ممن لم يكن لديهم الايمان المطلق بإمامة الإمام الحسن “عليه السلام”، بانها معيبة بحق الإمام، إلا انهم غير مدركين بان هذا الصلح جاء خدمة لهم وللدين الاسلامي.

وبعد أن صالح الإمامُ الحسن، معاوية، بدأ الجاهلون عديمو الوعي يذمّونه بمختلف العبارات، حتّى كان بعضهم يُسلّم عليه بـ”مذلّ المؤمنين”، ويقولون له إنّك بصلحك هذا قد أذللت المؤمنين المتحمّسين لقتال معاوية، واستسلمت له. وفي بعض الأحيان كانوا يستخدمون عبارات أكثر احترامًا وأدبًا، إلا أنّ المضمون كان واحدًا. وقد قام الإمام الحسن “عليه السلام” في مقابل هذه الاعتراضات والملامات بمخاطبتهم بجملة لعلّها هي الأبلغ في كلّ خطبته: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ وهي آيةٌ قرآنية، وكأنّه يريد أن يقول: قد يكون ما جرى فتنة لكم وامتحانًا، أو إنّه متاعٌ محدود لمعاوية.

وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الإمام كان ينتظر المستقبل، وهذا المستقبل لا يمكن أن يكون سوى أنّ الحكومة الّتي لا يُمكن أن تكون مقبولة بنظر الإمام الحسن “عليه السلام” والّتي هي على غير الحقّ، يجب أن تتنحّى جانبًا، وتأتي حكومة على وفق رأيه. لهذا، كان يقول لهم: إنّكم لستم مطّلعين على فلسفة هذا الأمر، فماذا تعلمون؟ لعلّ هناك مصلحة في هذا الأمر.

لم يكن بالإمكان تفادي الصلح مع معاوية، فلا مناص منه، بل يمكننا القول أيضاً إنَّ من كان في موقف الإمام الحسن المجتبى “عليه السلام” نفسه، وفي مثل ظروفه، لا يمكن إلّا أن يقوم بمثل ما قام به الإمام الحسن “عليه السلام”، بما في ذلك أمير المؤمنين “عليه السلام” نفسه. ولا يستطيع أحدٌ أن يقول إنَّ ذلك العمل الذي قام به الإمام الحسن “عليه السلام” هو مثارٌ للتّشكيك. كلّا، ففعله “عليه السلام” كان مطابقًا للاستدلال المنطقيّ الّذي لا يقبل التخلّف.

فلو سألنا من هو الأكثر ثوريّة من بين آل رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم”، ومن الّذي فاقهم في اصطباغ حياته بصبغة الشّهادة، وفاقهم حميّةً للمحافظة على الدّين ومواجهة العدوّ، لوجدنا أنّه الحسين بن عليّ “عليه السلام”، وهو “عليه السلام” قد شارك الإمام الحسن “عليه السلام” في هذا الصّلح، فلم يعقد الإمام الحسن الصّلح وحده، بل عقداه معًا، غاية الأمر أنّ الإمام الحسن “عليه السلام” كان المتقدّم يتبعه الإمام الحسين في ذلك.

كان الإمام الحسين “عليه السلام” أحد الذائدين عن مبدأ صلح الإمام الحسن “عليه السلام”. وعندما بدر اعتراضٌ من أحد الأنصار المقرَّبين ـ من هؤلاء المتحمّسين الثائرين ـ على ما فعله الإمام الحسن المجتبى “عليه السلام”، ردّ عليه الإمام الحسين عليه السلام، “وغمز الحسين حجراً” وليس هنالك من يقول: لو كان الإمام الحسين مكان الإمام الحسن لما وقّع الصّلح، كلا، فلقد كان الإمام الحسين إلى جانب الإمام الحسن، ووقّع الصلح، ولو لم يكن الإمام الحسن عليه السلام وكان الإمام الحسين عليه السلام وحيدًا في تلك الظّروف، لحدث ما حدث، ولوقع الصلح.

وذكر المؤرّخون، أنّ الإمام الحسن “عليه السلام” بعد أن رأى خيانات جيشه والمحيطين به ونفاقهم، مع أنّه لم يبق له ثمّة أمل في ثباتهم وصمودهم في مواجهة العدو، ومع انكشاف ما تنطوي عليه تلك الضمائر من رغبات، لكنّه عليه السلام ولكي يتمّ الحجة ألقى فيهم الخطاب الآتي: “ويلكم، والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ إن وضعتُ يدي في يده فأسلمه لم يتركني أدين بدين جَدّي، وإنّي اَقدِرُ أن أعبدَ الله عز وجلّ وحدي، ولكن كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبُعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون”.

ومرّةً اُخرى، وقبل أن يقبل باقتراح معاوية للصلح قام الإمام عليه السلام بإتمام الحجّة، من خلال خطاب يتضمّن استطلاعاً لآراء أصحابه، واستخباراً لنيّاتهم، فقد قال عليه السلام بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: “أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فَشيب السلام بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجَّهون معنا ودينُكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكنّا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثمّ أصبحتم تصدّون قتيلَين: قتيلاً بصفّين تبكون عليهم، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأمّا الباكي فخاذل، وأمّا الطالب فثائر”.

وبعد ذلك عرض عليهم اقتراح معاوية الصلح، فقال عليه السلام: “وإنّ معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفَةٌ، فإن أردتم الحياة قبلناه منه، وأغضضنا على القذى، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله، وحاكمناه إلى الله؟”. وأضاف الراوي: “فنادى القوم بأجمعهم: بل البقيةُ والحياة”.

ولم يبق أمام الإمام الحسن “عليه السلام” سبيلٌ غير القبول بالصلح، وترك أمر الحكم لمعاوية فترةً من الزمن، ويتبيّن من خلال التمعّن في بنود معاهدة الصلح، أنّ الإمام عليه السلام لم يقدّم أيّ امتياز لمعاوية، وأنّه “عليه السلام” لم يعترف به رسمياً باعتباره خليفةً وحاكماً للمسلمين، بل إنّما اعتبر الحكم القيادة حقّه الشرعي، مثبتاً بطلان ادعاءات معاوية بهذا الصدد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى