“العبرة”.. مدينة تعبّد طريق العشق الحسيني بـ”قصص الإيثار”

المراقب العراقي/ خاص
كثيرة هي المواقف والقصص التي ترافق مسيرة الزيارة الأربعينية التي تفرزها المشاهد الحيّة، طيلة الأيام التي تزحف فيها كتلة بشرية هائلة من المحافظات العراقية، صوب ضريح أبي الأحرار الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس “عليهما السلام”.
ومع صباح كل يوم يخرج “الستيني أبو محمد” من مدينة آل بدير أو كما تُعرف محلياً بـ”العبرة” التابعة إدارياً لمحافظة الديوانية، لاستقبال الزائرين، فهو يسخّر سيارته لنقلهم والوقوف على احتياجاتهم، فضلا عن مساعدة المواكب الحسينية المنتشرة على الطريق، لإيصال المؤن والمستلزمات التي يطلبونها منه، ويجلبها لهم من المدينة.
ويقول أبو محمد: “تعودت سنوياً ان اخرج بسيارتي لاستقبال الزوار ومساعدة المواكب كتقليد أصبح جزءاً من حياتي، فأنا “أجمع المال لإنفاقه على المؤمنين من مأكل وطعام” وايصالهم الى الوجهة التي يطلبونها، أما عند وصول وقت آذان المغرب، فأذهب باتجاه الشارع الذي يضج بالسائرين، لأستضيف معي الى بيتي ما تيسّر من رزق يبعثه الله لي لخدمتهم ورفع أتعاب الطريق عنهم حتى الصباح، لينطلقوا مرة أخرى لإكمال رحلة المسير”.
ويضيف: “عندما يصل وقت الليل ولم أجد من يذهب معي، نتيجة تزاحم الناس على الزوار، أصاب بنوبة حزن شديدة، تصاحبها موجة من البكاء، واحاول قدر امكاني ان أشارك جيراني بجهد الخدمة التي تعودت تقديمها لضيوف الإمام الحسين عليه السلام”.
وقريباً من أحاديث العشق التي يرويها أبو محمد، تجلس امرأة كبيرة طاعنة في السن، قرب تنور طيني، تقف قربها بعض النسوة لإعداد الخبز الحار، وفي كلتا يديها التي ترتجف بسبب العمر، تحاول إيصال العجينة للنساء في وجه تملأه الدموع وهي تستذكر فاجعة الطف، كما ويتسرب منها صوت شجي يستطيع من يقترب منها ان يعرف بانها “تنعى مصاب عيال الحسين والسبايا”.
ويشير علي الرفيعي، صاحب موكب قريب من المرأة المُسنة، بانها تحضر سنوياً لإعانة المواكب بتقديم الخبز وهي تأتي من قضاء الفجر التابع لمحافظة ذي قار والذي يبعد عن مدينة “العبرة” مسافة ليست ببعيدة، لتشارك في هذه الذكرى السنوية”.
ويشهد الطريق الرابط بين العبرة والديوانية، توافد آلاف الزائرين القادمين من محافظة ميسان، فضلا عن المدن القريبة منها مناطق “الشطرة والرفاعي وقلعة سكر والفجر”، التابعة لمحافظة ذي قار، فضلا عن قضاء الحي التابع لمحافظة واسط، نظراً لقرب الرقعة الجغرافية التي تربط بينهما بنفس الطريق، ما يبقي طريق مدينة آل بدير ممراً يستقبل الزوار لمدة تصل الى أسبوع كامل.
وفي الطريق، ستجد الكثير من العائلات التي أغلقت أبوابها وخرجت سيراً على الأقدام لمئات الكيلومترات حتى الوصول الى مدينة العشق “كربلاء” مستصحبين معهم الأطفال في صورة تنقل مديات استمرار وهج الثورة التي رسمها أبو الأحرار “عليه السلام”.
وتتواصل الجهود من المؤمنين على طول الطريق الرابطة بين المحافظات لتزويد المواكب باحتياجات الزوار من الطعام والماء ووسائل التبريد، فضلا عن تأمين المنام الليلي في صورة تجسّد قوة الترابط والتكافل الاجتماعي والتمسّك بمبادئ أهل البيت “صلوات الله عليهم أجمعين”، مجسدين أبهى صور الرفض للظلم والطغيان”.
وحتى وصول موعد الزيارة المباركة، ستكون المحافظات جميعها قد شهدت مرور الزخم المليوني الهائل الذي يحطُّ رحاله على طريق الحلة من الجنوب وبوابة بغداد التي تستقبل محافظات الشمال والغرب، لتكون المحطة بين الحرمين الشريفين.



