اخر الأخبارثقافية

مخاض

عبد الرزاق السويراوي

السيارة البيضاء توقفت للتو بالقرب من باب البيت الخارجي، وقد انعكس على سطح زجاجها الأمامي، قرصُ شمس الصباح، فظهر كمصباحٍ شديد التوهّج . فتح السائق الباب، وما إنْ ترجّل حتى خرجت ثلاثُ نسوةٍ من البيت ، وهنّ متلفّعات بعباءاتهنّ . همّ السّائق بالتوجّه صوب النسوة ، ثم فتح الباب الخلفي للسيارة . خطواته كانت رتيبة جداً، غير أنّ التفاتة لاحت منه نحو المرأة التي كاد جنبها الأيسر يلامس بابَ السيّارة الخلفي، وقد أمسكت بيدها اليمنى صرّة للملابس، فيما أسندتْ جاهدة بيدها الأخرى، ظهرَ الفتاة التي تتوسطهنّ , أمّا المرأة الثالثة ، فكانت هي الأخرى تسعى لإسناد الفتاة من الخلف . وعندما التقت نظراتُه بنظرات المرأة الممسكة بصرّة الملابس، خمّن مع نفسه ، أنها تودّ لو أنّه أعانها بأخذ الصرّة بدلاً عنها، وفعلاّ ، عمل بما خمّنه ، فتناول الصرة منها . كانت الفتاة تتلوّى من شدة الألم، ولفرط شدّته انطبعت سحنةٌ صفراء على وجهها الذي أخذ العرق يتصبّب منه بالرغم من عدم اشتداد حرارة الجو . وبين اللحظة والأخرى كانت تزمّ شفتيها بقوة ، فبان الذبول عليهما جلياً، ولكي تخفّف من وطأة الألم الذي يعتصرها، كانت تضع يديها أسفل بطنها المندلق أمامها، والذي لم تخف عباءتها انتفاخه الواضح، حتى أنّ السائق ضحك في سرّه من التشابه الكبير بين تكوّر وانتفاخ بطنها، وبين صرة الملابس التي وضعها في هذه اللحظة فوق المقعد الأمامي للسيارة . حركة الناس في الزقاق ما زالت متسمة بالهدوء، فالصباح مازال في أوّله، أمّا النسوة الثلاث فقد تهالكن بأجسادهن فوق المقعد الخلفي لتنطلق السيارة ولكن على غير عجل …. في المساء، وقبيل أنْ تشتدّ جحافلُ ظلمة الغروب، توقفت سيارةٌ سوداء أمام الباب الخارجي للبيت، فترجّلت منها إمرأتان ولكن ببطء خالطه تعبٌ بدا واضحاً عليهما . إحداهنّ كانت تحتضن بباطنيّ كفّيها، رضيعاً كان يبدّد بصراخه سكون الغروب، فيما كانت المرأة الأخرى تمسك بلا مبالاة صرّة الملابس، التي بدت أصغر حجماً عمّا كانت عليه صباحاً . صراخ الرضيع ما زال يتواصل دون انقطاع فيما همّت المرأتان بدخول البيت . بدأت ـ في هذه الأثناء ـ تتوافد باتجاه البيت، بعضُ نسوة الزقاق مع عدد من الرجال . أنصرف السائق بسيارته لكن عويلاً بدأ يتعالى تدريجياً من داخل الدار، ليطغى على صراخ الرضيع الذي لُفّ بقطعة قماش قارب لونها لون بشرة وجه الرضيع .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى