اراء

داخله مفقود وخارجه مولود… حرب “الجنرالين” تضع السودان على فوهة بركان

 

بقلم: آسيا العتروس..

مع أن الصراعات المسلحة والمواجهات العسكرية ولغة السلاح في بلد مثل السودان  او بلد الانقلابات العسكرية ليس بالامر الجديد قبل وبعد انقسام هذا البلد فان الثابت أن المشهد الراهن بات مفتوحا على كل السيناريوهات بما في ذلك مواصلة تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ على حد تعبير الراحل حسنين هيكل وكل الشروط قائمة والارضية مهيأة لاستدراج الرأي العام السوداني والدولي الى خارطة جديدة للسودان الذي انتقل قبل أحد عشر عاما من اكبر بلد افريقي الى ثالث اكبر بلد افريقي  بعد انقسامه الى سودان شمالي مسلم واخر جنوبي مسيحي بعد سنوات طويلة من الاحتقان والاحتراب والتدخلات الاقليمية والاممية التي مهدت لهذا الوضع الجديد في السودان الذي يطل على البحر الاحمر ويشترك في حدوده مع سبع دول بينها مصر وليبيا وتشاد واريتريا واثيوبيا وافريقيا الوسطى وجنوب السودان.. وهو ما يجعل ايضا الحقيقة الوحيدة التي يمكن اعتمادها في المشهد الراهن أنه لا احد بامكانه ان يتوقع متى واين وكيف ستنتهي هذه الحرب التي بدأت قذرة مع تواتر الانباء عن تحول المستشفيات الى مقابر مفتوحة بعد ان عجز الاطباء عن اسعاف وايواء المصابين ولكن ايضا مع تأكيد افلاس المجتمع الدولي والمنظمات الدولية في استباق الاحداث واطفاء لهيب الحرب التي كانت تتأكد يوما بعد يوم مع تضارب مصالح الجنرالين أوالحليفين السابقين اللذين اجتمعا على اقصاء المدنيين من الحكم ثم افترقا من اجل طموحاتهما السياسية والعسكرية وتطلعاتهما للاستحواذ على مقدرات السودان وثرواته الطبيعية التي تحولت الى لعنة على شعب السودان  .

لا هدنة في الأفق

تدخل الازمة الطاحنة في السودان اسبوعها الثاني على التوالي دون مؤشرات على قرب انتهاء المواجهات العسكرية او منع تحولها الى حرب اهلية شاملة في ظل هيمنة صوت الرصاص والمدفعية وانصراف القوتين العسكريتين الاولى بزعامة قائد المجلس العسكري الحاكم عبد الفتاح البرهان والثاني بقيادة محمد حمدان أو حميدتي زعيم قوات الدعم السريع وانصرافهما الى تصفية بعضها البعض للتفرد بالمشهد… وحدها صور اجلاء الاجانب من السودان تختزل حجم الازمة وابعادها الثقيلة والسيناريوهات المتبقية أمام السودان.. الاجانب يغادرون والدول العربية والغربية والآسيوية في سباق مع الزمن لاجلاء رعاياها وانقاذهم من الجحيم المفتوح في السودان كل حسب امكانياته.. الفلسطينيون الذين لا يمتلكون طائرات أوامكانيات لاجلاء مواطنيهم طلبوا في بيان نشرته الخارجية الفلسطينية تدخل الرياض بعد ان انسدت المنافذ امامهم لانقاذ العالقين هناك وسط  مخاوف من انهيار الاوضاع وانتشار الفوضى في أي حين.. المستشفيات والاطباء يواصلون اطلاق صرخات الاغاثة بعد تعذر امكانية مواصلة قيامهم بالمهمة الانسانية في علاج الجرحى و المصابين والاستجابة للنداءات المتكررة للاهالي وآلاف من السودانيين شدوا الرحال هربا الى تشاد المجاور الذي يعاني بدوره من ازمات متعددة.

في المقابل يبقى الشعب السوداني في مواجهة مصيره المحتوم بين قبضتي الجيش السوداني من جهة وقوات الدعم السريع من جهة ثانية والداخل الى السودان بات في حكم المفقود بين امواج الحرب العاتية وخارجه مولود .

الرئيس الأمريكي جوبايدن أعلن أنّ الجيش الأمريكي نفذ عملية لإخراج موظفين تابعين للحكومة الأمريكية من العاصمة السودانية الخرطوم، مضيفاً أن واشنطن علقت مؤقتاً العمليات في سفارتها في ظل استمرار القتال في السودان. وفرنسا كما كندا اعلنت الشيء نفسه في انتظار ان تنجلي الامور

بعض المصادر تشير الى ان ست طائرات أجلت الدبلوماسيين الأميركيين وأسرهم من مبنى السفارة بضاحية سوبا جنوب الخرطوم بطائرات هبطت في مبنى السفارة بالخرطوم، وبالتعاون مع قوات الدعم السريع التي أعلنت في بيان التنسيق مع الخارجية الامريكية وهوما يؤشر الى وجود قنوات اتصال امريكية مع طرفي النزاع في السودان… والارجح أن هناك دورا حاسما لكل من جيبوتي وإثيوبيا في عمليات الاجلاء التي تعكس مخاوف واضحة من تطورات وتعقيدات جديدة في المشهد السوداني .

المثير والمخيف فعلا انه في الوقت الذي يشكو فيه السودانيون من نقص الماء والغذاء والدواء والوقود وابسط الاحتياجات اليومية فان ما يجري بين الجيش السوداني وقوات التدخل السريع يكشف عن وجود خزانات من السلاح الكفيلة بتدمير السودان نهائيا والاخطر ان هذه المعارك الدموية في السودان تتزامن مع صدور تقرير معهد استوكهولم للسلام والذي كشف عن ارتفاع غير مسبوق للإنفاق العسكري في العالم منذ الحرب الباردة، وفق ما أفاد باحثون في مجال الأمن العالمي.

فشل الهدنة

ورغم كل الدعوات الدولية وجهود الوساطة الاممية لوقف الاقتتال واعلان هدنة العيد لمنح السودانيين فرصة استعادة الانفاس بعد شهر الصوم فقد تجددت الاشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع ولم يكتب للهدنة التي ولدت ميتة ان تفرض نفسها ..

من جانبه يؤكد رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان سيطرته على أغلب المؤسسات الرسمية في السودان وقال “أنا موجود حاليا في مركز القيادة ولن أتركه إلا على نعش”، موضحا أن “الأوضاع المعيشية في تدهور”.. قائد الجيش السوداني اتهم، قوات الدعم السريع “بالتعدي على البعثات الدبلوماسية دون مراعاة للقانون الدولي”، مشيرا إلى أن “مجموعات الدعم السريع منتشرة داخل الأحياء السكنية، وتتخذ المدنيين دروعا بشرية”.. البرهان يعتبر أنه “لا أحد يمكنه التكهن متى وكيف ستنتهي الحرب”، مضيفا أن “الحرب داخل المدن تطيل أمد المواجهة، وأنه يجب إخراج المسلحين من المناطق السكنية لإنهاء الحرب”.

من المستفيد؟

الاكيد ان اخر المستفيدين ان كان هناك امكانية للحديث عن مستفيدين من هذه الحرب ليس الشعب السوداني ولن يكون وهو الذي يعيش الامرين بين قبضتي حليفين عسكريين سابقين تضاربت مصالحهما واستوجبت انسحاب احدهما من المشهد حتى وان ادى ذلك الى تصفيته ….

لمن ستكون الغلبة؟ حتى الان الامر غير واضح و الامر الوحيد الذي لا يقبل التشكيك ان في السودان مخازن من السلاح تفوق كل التوقعات وان لكل مصادر تمويله من وسائل القتل والدمار وان لكل نصيبه من ثروات واموال السودان وكنوزه  وجبال الذهب وابار النفط المقبور الذي يسيل اطماع القوى الكبرى التي تتطلع الى ما ستؤول اليه المعارك قبل اعلان دعمها او مساندتها لهذا الطرف او ذاك حتى وان تعلق الامر بقوات عسكرية يفترض ان تكون في ثكناتها وان تكون ادارة العمل السياسي للمدنيين وللنخب السياسية الغائب الأبرز في المشهد منذ الغدر بها من البرهان وحميدتي لابعاد فريق الحمدوك من عملية الانتقال الديموقراطي.. والحديث في هذه المرحلة عن دولة مدنية ودستور مدني ومواطنة اقرب الى الاحلام  في وجود رأسين في المشهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى