“قصيدة النثر ” جموح المُخيَّلة وسيادة اللغة مقابل أسئلة التشكيك

المراقب العراقي / عادل الميالي…
تظل (قصيدة النثر) في مشهدية شعرنا العربي المعاصر أمراً واقعاً كمنجز يترجم نفسه كل يوم عبر ما ينتجه كتاب هذا النوع من الكتابة الشعرية من قصائد تغطي مساحة واسعة من الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات ، كذلك عبر كمٍ هائل من عناوين المجموعات الشعرية التي تصدرها دور النشر . وعلى الرغم من ذلك ما زالت هناك أسئلة مشككة أو تلك التي تحاول البحث عن مرجعية عربية لهذا الصنف من الكتابة .
هنا حاولنا تعميم سؤال واحد على مجموعة من النقاد والشعراء والمثقفين المهتمين، كمحاولة لسبر الآراء في إشكالية قصيدة النثر، والسؤال هو :بعد مضي أكثر من نصف قرن تقريبا على صعود قصيدة النثر في التجربة الشعرية العربية المعاصرة، ثمة من يشكك في مصداقيتها، كونها شكلاً من أشكال الكتابة الوافدة .. وأنها لا تستجيب لذائقتنا الفنية ، مشيراً الى عجزها عن تحقيق تلك الاستجابة التي كان يحظى بها الشعر الكلاسيكي .. فما هو تعليقكم ؟
بداية جولتي كانت مع الشاعر الدكتور(عارف الساعدي) , إذ يعتقد بان التشكيك بقصيدة النثر هو جزء من حيويتها وديمومتها، فما دام هناك تشكيك يعني هناك قلق من هذا الشكل الجديد وريبة في أمره ، أما الاستقرار فيعني الذبول والركود , أما ما يُعاب على قصيدة النثر أنها لا تستجيب لمتطلبات لحظتنا العربية الراهنة ، فهذا يعني أن المزاج الشعري (تلقياً) قد تغير بسبب قصيدة النثر, وأن الشعر لم يعد ذلك الطبل الذي يدوِّي في الأصقاع ليُنهض الأمم ، وإنما تحول الشعر الى صمت إنساني يتناول الهامشي مبتعداً عن البلاغة الرنانة مستثمراً بلاغة الحياة الجديدة باعتبارها بلاغة بديلة عن كل الزخرف والزركشة البيانية ، هذا الأمر ربما لعبت قصيدة النثر باستثماره في نماذجها العالية ولكنها فتحت الباب أمام كل من هب ودب لكتابتها ظناً منهم أنها سهلة .
القاص والصحفي (محمد إسماعيل) يرى أن قصيدة النثر تبلورت استجابة لمتطلبات جموح المخيلة الذي لم تعد القصيدة العمودية ولا قصيدة التفعيلة الحرة تستطيع احتواءه ، فضلاً عن بزوغ منظومات تفكير كانت كامنة في الذات المفكرة، وبعد ان أخذت الكلاسيكيات مدياتها، ولم تتمكن من التعاطي مع تلك المنظومات , بات لزاماً على المرسل والمتلقي ان يتضامنا على تصديق كذبة نثرية، أسمياها (قصيدة) فحلت بديلاً فاعلاً عن شعر عاطل , لذا تأسست قصيدة النثر على فلتات خارجة عن أوزان الشعر واحباطات عروضه ، لتفتت عقد المخيلة من دون أن تعيرها ، وعليه فان قصيدة النثر صارت واقعاً وله مراحل تطوره .. أيضاً .
الشاعرة التونسية (صباح نور الصباح) تجد أن السؤال يثير في نفسه ، سؤالاً آخر أيضاً , أليس الشعر (شعراً) مهما كان شكله ، ووزنه ، ولغته ، ومناحي التصوير والتعبير فيه ؟ بمعنى آخر .. ان الشعر لا يُقاس فقط بـ “النظم” أو “النثر” بل بما يرقى باللغة من مستواها المعهود إلى غير المعهود ، من المنطق إلى الحدس ، مما تراه “العين” إلى ما تراه “المخيلة” .. كل هذا يحتاج من “الشاعر”، أياً كان جنسه ولونه ولغته ، إلى الطاقة الابداعية التي يجب أن تتوافر لأي فنانٍ مبدع , أعطني شعر هذا الشاعر، ولا تسألني بعد ذلك ، عما إذا كان ما أعطيتني إياه منثوراً أو موزوناً، ذلك أنّ “الشعرية” حين ترقى بنفسها إلى المستوى الجدير بها ، لا تعود صالحةً لمثل هذه التصنيفات “الأكاديمية” التي تشكلت، خفيةً وجهاراً، إلى صحفنا اليومية ، ودورياتنا الشهرية والفصلية .
وتذهب الكاتبة الدكتورة (سهام الشجيري) إلى القول بان قصيدة النثر هي نص إبداعي تجاوز رتابة العادي والمباشر، وارتقت إلى آفاق الدهشة ، وهي بهذا المعنى متجاوزة لمفهوم الذات الضيق ، لأنها تجتاز نحو آفاق أكثر رحابة واتساع , فهي تطور طبيعي مثل كل شيء ، وربما تتوقف قصيدة النثر غداً حيث يكون قد جاء لها بديل آخر.
نهاية جولتي كانت مع القاصة (أطياف إبراهيم) حيث تعتقد بان النظر إلى التجربة الشعرية العربية اليوم يكشف لنا أن القصيدة الكلاسيكية هي التي بدأت تفقد مصداقيتها وتتراجع ، فلا يمكن وفق المعطيات المعاصرة أن نكتب شعراً بنفس الطريقة القديمة بعد أن اكتشفنا طرقاً أخرى للتعبير تتلاءم مع عصرنا وتفكيرنا وتجربتنا , لذا فان قصيدة النثر هي أكبر من الخروج عن الوزن الخليلي والقوافي، بل انها تغيير في مفهوم الشعر، فالشعر الآن صار له مفهوم آخر، وله معاييره الجمالية وخصائصه ولغته ومفرداته التي تختلف جذرياً عن الشعر الكلاسيكي بل وتتقاطع معه , من هنا فقصيدة النثر، التي تشدد على كيفية التعبير وعلى امتلاك الشاعر لرؤيا العالم وتعني بطرح الأسئلة , كانت ثورة وتغييراً في المجتمع العربي على الرغم من أنها لم تنجح في تغيير الواقع الاجتماعي بأكمله ، لكنها أحدثت ثورة في أشكال الكتابة .
فائدة لغوية
جبار محـــيل
وصل بنا الكلام إلى النوع الرابع من أنواع التنوين ألا وهو تنوين العوض وهو عوضٌ عن حرف أو كلمة أو جملة،
مثال الأول ويأتي في الأسماء المنقوصة كـ”دواعٍ..غواشٍ” وأصلها”دواعي..غواشي” ومثال الثاني” وَكُلاً آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا” أيْ كلَّ واحدٍ،أما الثالث فمثاله كما في” يَوْمَئِذٍ تُحدِّثُ” أيْ يومَ إِذْ تُزَلْزَلُ”هي” تُحدِّثُ والضمير مقدر جوازا.



